|
هوية الكتاب
اسم
الكتاب : الوثائق الرسمية
لثورة الإمام الحسين
(عليه السلام)
المؤلف : السيد عبدالكريم
الحسيني القزويني
سنة الطبع : 1424 هـ ـ 2004 م
الطبعة : السادسة مزيدة
ومنقحة
الناشر : دار الغدير
الكمية : 5000
السعر : 550
شابك : 8 ـ 03 ـ
8485 ـ 964
عنوان المؤلّف :
www.qazvini.org
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ
اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا
تَشْعُرُونَ * وَلَنَبْـلُـوَنَّكُمْ بِشَيْء
مِـنَ الْخَـوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْص مِنَ
الاَْمْوالِ وَالاَْنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ
الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ
مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ
راجِعُونَ * أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ
مِنْ رَبِّهِمْوَرَحْمَةٌوَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ )
سورة البقرة ( 2 ) : 154 ـ 157 . قرآن كريم
الاهــــــداء
اليك يا أبا عبدالله
اهديك يا مولاي الطبعة السادسة من كتابي
هذا ، لأنّك أوّل الثائرين من أجل الاسلام
ورسالته وتطبيق حكومته ونشر معالمه والى جميع
الشهداء الذين ثاروا من أجل هدفك وخطى هديك
وشهادتك في كل زمان ومكان ، ولاسيما شهداء
الحوزة العلمية من مراجع العلم وطلابه وابنائنا
المؤمنين الذين قتلوا ظلماً وعدواناً وعلى رأسهم
المرجع الشهيد السيد محمّد باقر الصدر .
مولاي . . راجياً بذلك شفاعة جدك وابيك
وامك واخيك وشفاعتك وشفاعة بنيك الأئمة
الطاهرين ، لي ولزوجتى العلوية الشهيدة ولوالديّ
اللذين علماني مودتكم والسير على نهجكم أهل
البيت الذي فرضه الله بقرآنه : ( قُلْ لا
أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ
الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) .
وطابت شفاه من قال :
لا عذب الله امي إنّها شربت***حب الوصي وغذتنيه باللبن
وكان لي والد يهوى أبا حسن***فصرت من ذي وذا أهوى
أبا حسن
سيدي . . أبا الشهداء! إنّا بحبكم
غُذينا ، وبطينتكم عُجّنا ، وعلى دربكم
مشينا ، وبنهجكم سرنا . فامنُن علينا بحفظ
أوطاننا ، ومرجعنا الصامد الصابر المجاهد حفيدك
ونائبك الإمام السيد السيستاني ، واحرسه من
عاديات الزمن الداخلية والخارجية ، واجعله سنداً
للاسلام وذخراً للمسلمين .
فتقبل يا سيدي من ولدك
1 ذي الحجة الحرام 1424
مقدّمة الطبعة الرابعة والسادسة
حمداً لك يا ربّ على ما أنعمت علينا بالإسلام
ديناً ، وبمحمّد (صلى الله عليه وآله)نبياً
وهادياً ، وبآله أئمة وسادة وقادة .
قارئي العزيز :
الكتاب الذي بين يديك ( الوثائق الرسمية لثورة
الإمام الحسين ) ، فكرة سنحت لي في أيام محرم
من سنة 1391 هـ ، وهي أيام ذكرى
استشهاده (عليه السلام) ، فاحببت أن اكتب بحثاً
عن أبي الضيم ، سبط الرسول الأعظم وريحانته ،
وحبيب قلبه ، فعزمت على الأمر بعد التوكل
على الله وأخذت أبحث في بطون كتب التواريخ ،
واسجل ما يتعلق بثورة الإمام الحسين (عليه
السلام) ، وثيقة إثر وثيقة ، وبينما كنت ادوّن
تلك الوثائق ، كانت دموعي تسبق قلمي حين يكتب
حروف كلماتها ، لِما في ذلك من المصائب
والمحن والآلام التي حلّت بالسبط الشهيد وعترته
وأصحابه .
وفي ليلة من تلكم الليالي التي كنت مشغولا
بتسطير الوثائق دبّ النعاس الى جفوني فغلبني
النوم ، إذ أرى نفسي في عالم الرؤيا وكأنّ
الكتاب قد طبع ، وأنا أهدي نسخة منه للإمام
الحسين الشهيد (عليه السلام) في حين أن الكتاب
لم يزل في مرحلة التأليف .
وحين أفقت من النوم انتابتني فرحة ممزوجة
بالبكاء في نفس الوقت ، لمّا قد علمت أنّه قد
يكون موضع قبول ورضى الله تعالى ورسوله والسبط
العظيم ، فزادتني هذه الرؤيا عزماً على اكمال
تأليفه وكتابة وثائقه ، ومن ثم طبعه فوراً في
العراق في تلك السنة ، وهي الطبعة الاولى .
وبعد إكمال تأليفه ، حيث طبع الكتاب ولم يوزع
للمكتبات بعد ، أخذت نسخةً منه وذهبت بها الى
كربلاء المقدسة ، لحرم ريحانة رسول الله ،
مخاطباً إياه أن يتقبل هذه الهدية ، وقد تم
تسجيلها في مكتبة حرمه الشريف .
فكانت هذه الرؤيا السلوة والمحفز لي على إكمال
هذا الجهد المتواضع الذي قمت به ; لأنّه سيكون
إن شاء الله شفيع لي في ذلك اليوم الذي
( لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلاّ مَنْ
أَتَى اللهَ بِقَلْب سَلِيم ) .
وقد طبع الكتاب طبعات عديدة وهي :
الطبعة الاولى : في العراق سنة 1391 ه… .
الطبعة الثانية : في بيروت سنة 1980 م .
الطبعة الثالثة : في مدينة قم المقدسة سنة
1404 ه… .
الطبعة الرابعة : وهي التي بين يديك ، وتمتاز
عن طبعاته السابقة بإضافة 14 وثيقة تتعلق
بثورة الإمام الحسين (عليه السلام) ومخاطباته
لمعاوية مع زيادة تعليقات جديدة وطباعة انيقة .
ثم أيضاً طبعت الطبعة الخامسة والسادسة .
نسأل الله العلي القدير أن يسدد خطانا ، وأن
يثبت أقدامنا على صراطه المستقيم ، وأقول :
« رب واجعلني ممّن تنتصر به لدينك ولا تستبدل
بي غيري »
عبدالكريم الحسيني القزويني
تقــديم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على
سيد المرسلين محمّد وآله الأئمة الأطهار
المجاهدين .
قارئي العزيز :
بين يديك القسم الأوّل من هذا الكتاب الذي
يضم بين دفتيه جميع الوثائق الرسمية التي تتعلق
بثورة الإمام الحسين (عليه السلام) من الكتب
والخطب والبيانات ، التي ترتبط بهذه الثورة ،
أسواء كانت صادرة عن الحسين (عليه السلام) أو
أصحابه ، أو عن المسؤولين في الحكم آنذاك ،
منذ أن أعلن ثورته في المدينة إلى يوم مصرعه
في كربلاء .
وقد بذلت جهد امكاني في ضبطها وتنظيمها ، مع
المحافظة على الترتيب الزمني لهذه الرسائل
والخطب والبيانات ، وقد عشت بعض أيامي مواكباً
لهذه الوثائق بين الكتب والمصادر التاريخية ;
لأدقّق في حرفيتها ونصها وزمنها ، وقد وفقت
إلى حد ما في ضبطها النصّي والزمني .
وهي ـ بحسب اعتقادي ـ أوّل محاولة دراسية في
بابها ، يستفيد منها : الثائر ، والفدائي ،
والكاتب ، والأديب ، والخطيب ، والناقد
الاجتماعي ; لأنّها تعطي صوراً ونماذج عن
الذهنية والعقلية التي عاشت وعاصرت فترة الثورة
المقدسة .
أخي القارئ :
إنّ فكرة جمع هذه الوثائق ما هي إلاّ فكرة
طارئة ، حدثت في أيام ذكرى ثورة الإمام
الحسين (عليه السلام) من شهر محرم من هذه
السنة ( 1391ه… ) ، حيث أحببت أن أُلمّ ببعض
خطبه (عليه السلام) ، فراجعت بعض المصادر ،
وإذا أنا أمام ثروة كبيرة تتعلق بالثورة
الحسينية ، ففكرت في جمعها ونشرها في كتاب
مختصر() ; لتستفيد الأمة من تراثها ويطلع
الرأي العام عليها ، ونحقق بذلك الأهداف
التالية :
1 ـ اطلاع الأمة على بعض معالم دينها
وعقيدتها ; لما في هذه الوثائق من الحقائق
الدينية ، التي لابد للأمة من الاطلاع عليها
وفهمها .
2 ـ اطلاع الأمة على التراث الأدبي واللغوي
لرجالها الثائرين ، والذي يتجلى في خطب الإمام
الحسين (عليه السلام) ورسائله بشكل خاص .
3 ـ التركيز على الوعي الحسيني في النفوس .
وعياً كاملا بخطوطه وأبعاده ; حتى يكون واضحاً
لدى الجميع ، ماذا أراد الحسين (عليه السلام)
من ثورته؟ وما هي الغاية منها؟
4 ـ الاستفادة من التضحيات والقرابين ، التي
قدمها أبوالشهداء ظهيرة يوم العاشر من محرم ،
في سبيل رسالته وعقيدته ; لنستمد من تضحياته
جذوة تنير لنا الدرب ، في المحافظة على ديننا
وتحرير بلادنا من رجس الصهيونية والاستكبار
العالمي ، ولنصمد في وجه تيارتها وأفكارها ،
كما صمد (عليه السلام) هو والصفوة الطاهرة من
أصحابه ، في وجه ذلك الزخم العسكري الهائل من
أجل دينه ومقدساته .
فأقدم هدف أبي عبدالله « من جديد إلى ضمائر
فريق كبير من بني الانسانية ; لعلهم يقدمون
رسالته خطوة واحدة أو خطوات ، في سبيل اليقين
والعمل الخالص لوجه الحق والكمال() .
وأخيراً فإني حاولت أن اتبسط ، وابتعد عن
مجال الخيال الأدبي والترف اللفظي في هذا
الكتاب ; من أجل أن يقرأه ويفهمه الجميع ;
ليكون موضعاً للعناية والدراسة .
وختاماً :
وكلي أمل يا سيدي ويا مولاي ، يا أبا
الشهداء ، أن تكون هذه الوريقات موضع قبول
عندك ; حتى تكون شفيعاً لي ولوالدي عند جدك
رسول الله محمّد (صلى الله عليه وآله) يوم
القيامة ; حتى ننضوي تحت لوائه ، يوم لا
لواء إلاّ لواءه ( يَومَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا
بَنُونَ إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْب
سَلِيم )() .
عبدالكريم الحسيني القزويني
عرض وتمهيد
عرض وتمهيد
ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) هي من أهم
الثورات ، التي شغلت فكر الانسانية وأخذت مجالا
كبيراً من التاريخ الاسلامي ; لأنها حدث غير
عادي ومهم جداً .
فكان لابدّ للمؤرخ مهما كانت ميوله ومعتقداته
أن يشير إليها بايجاز أو باسهاب ; وذلك ـ
طبعاً ـ من وجهة نظره الخاصة ، وحسب سعة
اطلاعه الفكري وضيقه .
ولو نظرنا الى جلّ من أرخ لثورة الحسين (عليه
السلام) ، لرأيناه يتصاغر أمام عظمتها
وواقعيتها ، إلاّ نفراً يسيراً ممّن أُشبعت
نفوسهم ببغض آل البيت (عليهم السلام) ،
واستميلت ضمائُرهم بالمال أو الجاه .
والذي عليه آراء الأمة منذ ثورة الإمام
الحسين (عليه السلام) حتى يومنا هذا أنها
الثورة الحقيقية التي قدمت للاسلام القرابين
والضحايا من آل الرسول (صلى الله عليه وآله) ،
فأعادت اليه هيبته المنهارة كرامته المفقودة ،
وذلك بسبب تلاعب المتسلطين آنذاك بمقدساته
وأحكامه .
ثورة الإمام الحسين ومعطياتها
إن الزخم العطائي لثورة الإمام الحسين (عليه
السلام) عطاء مستمر ودائم ، على مختلف العصور
والدهور والأجيال ، فهي بمثابة المشعل الذي
ينير الدرب للثائرين ، في سبيل رسالة الحق ،
الرسالة الإسلامية الخالدة . وفي نفس الوقت
تحرق الهياكل الوهمية المزيفة التي بنت دعائهما
على عروش وكراسي من الشمع ، سرعان ما تذوب
بحرارة الثورة الحسينية المقدسة .
وهذا العطاء الدائم المستمر للثورة ، طالما
غذّى الغصون الاسلامية ; حتى نمت وترعرعت ببركة
ثورة أبي الشهداء الحسين الخالد . فهي كانت
ولا تزال وستكون نبراساً لكل انسان معذب
ومضطهد على وجه هذه الأرض ، وهي الأمل المنشود
لكل الناس الخيرين ، الذين يدافعون عن حقهم في
العيش بسلام وأمان .
فهذه القرون تأتي وتذوب قرناً بعد قرن ، كما
تذوب حبة الملح في المحيط . وهذا الحسين اسمه
باق في القلوب وفي الأفكار والضمائر ، فهو
أكبر من القرون وأكبر من الزمن ; لأنّه عاش
لله ، وجاهد في سبيله ، وقتل في رضوانه .
فهو مع الله والله معه ، ومن كان الله معه
فهو باق . وإن ثورة الإمام الحسين (عليه السلام)
قد تمخضت وكشفت عن جانبين مهمين هما :
1 ـ الجانب العاطفي للثورة
وهي الثورة الوحيدة في العالم ، التي لو
تسنّى لكل فرد مهما كان معتقده وفكرته أن
يقرأ مسرحيتها بكل أبعادها وتفاصيلها ، لما
تمكّن من أن يملك دمعته وعبرته . وكما هو
المعروف الآن في البلاد غير الإسلامية كالهند
وبعض الدول في أفريقيا حيث يقرأ بعض أبنائها
ملحمة واقعة الطف في كربلاء ، فإنهم لا
يملكون إلاّ أن يجهشوا بالبكاء ، وقد يؤدي
أحياناً الى ضرب الصدور لا شعورياً ; لأنها
مأساة أليمة تتصدع القلوب لهولها ومصابها .
وذلك كما وصفها المؤرخ الانكليزي الشهير ]جيبون
[بقوله : « إن مأساة الحسين المروّعة ، بالرغم
من تقادم عهدها ، وتباين موطنها ، لابدّ أن
تثير العطف والحنان في نفس أقل القرّاء إحساساً
وأقساهم قلباً »() .
وأكثر من هذا ، إنه قد روي : إنّ الذين
قاتلوا رجال الثورة لم يملكوا أنفسهم من
البكاء ، فهذا ( عمر بن سعد ) قائد الجيش
الأموي في كربلاء ، يبكي عندما نادته زينب بنت
علي (عليها السلام) قائلة له : « يابن سعد! أيقتل
أبو عبدالله وأنت تنظر إليه »؟ فصرف وجهه عنها
ودموعه تسيل على لحيته() .
وقيل أيضاً : إنّ الأعداء بعد قتل
الحسين (عليه السلام) ، هجموا على عياله
يسلبونهم وهم يبكون . فجاء رجل إلى فاطمة بنت
الحسين وأراد سلبها وهو يبكي ، فقالت له :
لماذا تسلبني إذن؟ فقال لها : أخاف أن يأخذه
غيري() .
وكيف لا تكون كذلك ، وهي المأساة التي أدمت
قلب الإنسانية ، وأقرحت جفونها ، تألّماً
وتأثّراً ; لأنّ فيها قتل الشيخ الطاعن في
السنّ ، الذي جاوز السبعين ، وقتل فيها
الكهل ، وهم الغالبية من أصحاب الحسين . وفيها
الفتي الذي جاوز الحلم أو لمّا ، من بني
هاشم وأقمارهم ، وفتيان أصحابهم . وفيها الطفل
الرضيع والمرأة العجوز . وفيها التمثيل بأجساد
الشهداء ، ورضّها بحوافر الخيل ، وقطع
رؤوسها . وحرمان النساء والأطفال من الماء ،
ونهب الخيام وحرقها . وسَوْق بنات رسول الله
سبايا من بلد إلى بلد ، يتصفح وجوههن القريب
والبعيد . . . وإلى ما هنالك من المآسي
والآلام التي حلّت بشهداء هذه الثورة .
2 ـ الجانب العقائدي للثورة
إذا أردنا دراسة هذا الجانب ، فلم نعرف أنّ
ثورة في التاريخ عرفت بعقائديتها بهذا اللون من
الاعتقاد ، والتفاني من أجله ، كثورة
الحسين (عليه السلام) .
والانسان لا يمكن له أن يعرف المستوى العقائدي
لثورة من الثورات ، إلاّ أن يدرس النصوص
والوثائق لقادة هذه الثورات وأنصارها .
وثورة الإمام الحسين (عليه السلام) بلغت في
عقائديتها الذروة العليا في الوعي والعمق ، لدى
قائدها واتباعه وأنصاره . فهي لم تختلف وعياً
في جميع أدوراها ، منذ أن أعلنت حتى آخر نفس
من حياة رجالها ، على مختلف المستويات الثقافية
والإدراكية لرجالها .
فهذا الشيخ الكبير يحمل نفس الوعي للثورة
الحسينية ، الذي يحمله الكهل والفتى ، وحتى
الذي لم يبلغ الحلم ، يحمل نفس الروح لدى
رجالها وأبطالها .
فلو تصفّحنا الوثائق الاولى لقائد هذه الثورة
الحسين (عليه السلام) ، لرأيناها تحمل نفس روح
الوثائق التي قالها الحسين (عليه السلام) في
آخر حياته فهي :
أ ـ الثورة على حكم يزيد بن معاوية
ب ـ إقامة الشريعة الإسلامية وتطبيقها مقام
المخالفات التي أشاعها الحاكم آنذاك . فثورة
الإمام الحسين (عليه السلام) هدفت في قيامها
هذين الخطين :
تغيير الجهاز الحاكم ، وتطبيق الشريعة
الإسلامية .
أ ـ تغيير الجهاز الحاكم
فالإمام الحسين لم يقصد من ثورته على الحكم
تغيير يزيد بالذات ; لأنه هو يزيد بن معاوية
بن أبي سفيان الأموي ، فتكون ثورته ثورة
قبلية كما يصورها البعض ويعتقد بأنّ الخصومة
بين الهاشميين والأمويين ، كانت مستمرة منذ
قرون قبل الإسلام وبعده ، ولهذا خرج
الحسين (عليه السلام) على يزيد . بل الإمام
الحسين (عليه السلام) علل ثورته على حكم يزيد
في بعض خطبه وبياناته .
ويتضح ذلك جلياً ممّا جاء في الوثيقة ، التي
خطبها الحسين (عليه السلام) أمام أول كتيبة
للجيش الأموي :
« أيها الناس! إني سمعت رسول الله (صلى الله
عليه وآله) قال : من رأى سلطاناً جائراً ،
مستحلا لحرام الله ، ناكثاً لعهده ، مخالفاً
لسنة رسوله ، يعمل في عباد الله بالإثم
والعدوان ، فلم يغيّر ما عليه بفعل ولا
قول ، كان حقاً على الله أن يدخله مدخله »() .
حيث علّل (عليه السلام) خروجه على سلطان
يزيد ; لأنّه سلطان جائر ، يحكم الناس بالإثم
والعدوان ، وذلك مخالف للشريعة الإسلامية ،
ولسنّة النبي محمّد (صلى الله عليه وآله) ، فلهذا
خرج عليه .
صحيح أنّ هناك بعض الوثائق تصرّح باسم يزيد ،
كما في وثيقة رقم ( 12 ) الوثيقة التي قالها
لما طلب منه والي يزيد على المدينة مبايعة
يزيد ، فأجابه (عليه السلام) : « أيها الأمير!
إنّا أهل بيت النبوة » إلى قوله : « ويزيد رجل
فاسق ، شارب للخمر ، قاتل النفس المحترمة ،
معلن للفسق ، ومثلي لا يبايع مثله »() .
فهكذا نجد الإمام (عليه السلام) يعلل ثورته على
يزيد ; لأنّه رجل فاسق ، شارب للخمر ، قاتل
النفس المحترمة ، معلن للفسق . وهذه الصفات
لا تتفق مع شروط الخلافة ، فلهذا أعلن
الحسين (عليه السلام) ثورته على حكمه . فثورته
ليست ثورة قبلية ولا عنصرية ، كما يتوهم
البعض .
ب ـ تطبيق الشريعة الإسلامية
وهذا هو من أهم أهداف الحسين (عليه السلام) ،
من ثورته على الحكم ، حيث عرض نفسه وأهل بيته
وأصحابه ، للقتل والسلب والنهب ، من أجل هذا
الهدف المقدس .
فالحسين لم تكن غايته الرئيسية من خروجه ،
تَسلُّم زمام الحكم فحسب ، بل إنما هو يعتبِر
الاستيلاء على الحكم وسيلة لتطبيق أحكام
الشريعة ، لا غاية بذاتها .
ولا أيضاً بدافع العامل الاقتصادي كما يذهب
اليه البعض من أنها نتيجة لظروف اقتصادية
معينة ، دفعت بالحسين الى ثورته .
وليس أيضاً بصحيح ما يقوله البعض : من أنّها
نتيجة مرحلة زمنية اقتضتها التطورات التاريخية
آنذاك ، بل الدافع الرئيسي الوحيد للإمام
الحسين (عليه السلام) ، هو تطبيق الشريعة
الاسلامية والمحافظة عليها ، وإن أدى ذلك الى
سفك دمه .
ويسند قولنا هذا ، ما جاء في بعض نصوص خطبه
ورسائله مثل :
1 ـ « ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة
الشيطان ، وتركوا طاعة الرحمان ، وأظهروا
الفساد ، وعطلوا الحدود ، واستأثروا بالفيء ،
وأحلّوا حرام الله ، وحرموا حلاله »() .
2 ـ « وقد بعثت إليكم بهذا الكتاب ، وأنا
أدعوكم الى كتاب الله وسنّة نبيه ، فإنّ
السنّة قد أُميتت ، والبدعة قد أُحييت »() .
3 ـ « ألا ترون الى الحق لا يُعمل به ،
والى الباطل لا يُتناهى عنه »() .
4 ـ « وإني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا
مفسداً ولا ظالماً ، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح
في أمّة جدي (صلى الله عليه وآله) ، أريد أن
آمر بالمعروف ، وأنهى عن المنكر ، وأسير بسيرة
جدي وأبي »() .
فإنّ هذه المقتطفات من خطب ورسائل الإمام
الحسين (عليه السلام) ، لهي نصوص صريحة واضحة ،
لا شبهة ولا غموض فيها ; لبيان غرضه
وهدفه (عليه السلام) .
فإنها جميعاً تدل على أنّ الحكم القائم
آنذاك ، كان يعمل بكل قواه ، على تقويض
الشريعة الاسلامية من جذورها ، بإشاعة المنكر
والباطل ، ومخالفة الكتاب والسنة « فإنّ السنّة
قد أُميتت ، والبدعة قد أُحييت » .
والحسين (عليه السلام) لم يخرج لغير مقاومة
المنكر والباطل ، وإحياء السنّة ، والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولم يطلب الحكم
والمنصب قط ; لأنّه من أهل بيت النبوة ،
الذين لم يأتوا للملك إلاّ أن يقوّموا
المعوّج ، ويدعوا الى الحق ، ويدفعوا الباطل .
فهذا جدّه رسول الله محمّد (صلى الله عليه وآله)
في بداية دعوته ، عَرضت عليه رجالات قريش الملك
والسيادة والمال ، على أن يترك دعوته وقول
الحق ، فأبى (صلى الله عليه وآله) ، وقال لعمه
أبي طالب( رض ) : « يا عمّاه! لو وضعوا الشمس
في يميني ، والقمر في شمالي ، على أن أترك هذا
الأمر ، حتى يظهره الله أو أهلك فيه ، ما
تركته »() .
وهذا أبوه علي بن أبي طالب (عليه السلام)
القائل : « اللّهم إنك تعلم أنّه لم يكن الذي
كان منّا ، منافسة في سلطان ، ولا التماس
شيء من فضول الحطام ، ولكن لنردّ المعالم من
دينك ، ونظهر الاصلاح في بلادك ، فيأمن
المظلومون من عبادك ، وتقام المعطلة من
حدودك »() .
وقد عرضت عليه الخلافة في قضية الشورى
بشروط ، فأبى (عليه السلام) ; لئلا يخالف
الشروط التي لا يرتضيها . في حين أن الخلافة
الإسلامية في وقتها ، كانت الدنيا بأسرها ،
وخصوصاً بعد أن انهارت دولة الروم والفرس .
فعلي (عليه السلام) أبى أن يقبلها مع أهميتها
في مقابل أن لا يخالف شرطاً ، فرفض الدنيا
بأسرها في رفضه إياها ، أزاء عدم مخالفة شرط
واحد .
وهذا أيضاً سفير الحسين (عليه السلام) مسلم بن
عقيل ، بعثه (عليه السلام) الى الكوفة لأخذ
البيعة من أهلها ، وجاء عبيدالله بن زياد
ودخل الكوفة ، فذهب مسلم الى دار هاني بن
عروة ، وكان في داره شريك بن الأعور
مريضاً ، فأراد ابن زياد عيادة شريك في دار
هاني ، فاتفق شريك مع مسلم أن يقتل
عبيدالله ، عندما يأتي لعيادته ، والإشارة
بينهما رفع شريك عمامته .
ثم جاء ابن زياد ودخل على شريك ، ومسلم
مختبئ في الخزانة ، فأخذ شريك يرفع عمامته
مراراً ، فلم يخرج مسلم ، وقال : اسقنيها
ولو كان فيها حتفي . فقال ابن زياد : إنه
يخلط في علته ، ثم خرج من دار هاني .
فخرج مسلم ، وقال له شريك : ما منعك منه؟
فقال مسلم : تذكرت حديث علي (عليه السلام) عن
رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « إن الإيمان
قيد الفتك ، فلا يفتك مؤمن »() .
فلو كان مسلم يريد الإمارة والملك ; لخرج
وفتك بابن زياد وأراح الأمة من شره ، ولكنّه
يخشى على إيمانه وعقيدته ; لأنّ الإيمان قيد
الفتك ، والمؤمن لا يفتك .
وهكذا لو أردنا أن نستعرض أهل البيت (عليهم
السلام) ، لرأيناهم لا ينشدون ملكاً ولا
سلطاناً بالذات ، وإنّما غايتهم من الحكم هي
تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية وتركيز دعائمها .
فلهذا نرى الإمام الحسين (عليه السلام) يقول :
« وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي (صلى
الله عليه وآله) ، أريد أن آمر بالمعروف ،
وأنهى عن المنكر ، وأسير بسيرة جدي وأبي »() .
فهذه هي سيرة جدّه رسول الله (صلى الله عليه
وآله) ، وسيرة أبيه علي بن أبي طالب (عليه
السلام) .
الاسلام والخلافة
اهتم الإسلام بالخلافة اهتماماً كبيراً ; لأنّ
عليها يقوم بنيانه ويبني مجتمعه ، وإنّها
القاعدة الأساسية لحفظ شريعته ، وصيانة مجتمعه
من الانهيار والتشتت والتفرق ، وبدونها لا تقوم
للإسلام قائمة .
« فهي ضرورة من ضروريات الحياة الإسلامية لا
يمكن الاستغناء عنها ، فبها يقام ما اعوج من
نظام الدين ، وبها تتحقق العدالة الكبرى ،
التي ينشدها الله في الأرض »() .
فلهذا نرى أن الرسول الأعظم قرنها ببداية
التشريع الإسلامي ، وبدء نزول الوحي ، حيث
أمر (صلى الله عليه وآله) بابلاغ دعوته أهله
وعشيرته كما جاء في تاريخ الكامل لابن
الأثير ، حين نزلت هذه الآية : ( وَأَنْذِرْ
عَشِيرَتَكَ الاَْقْرَبِينَ )() .
فجمع النبي عشيرته على وليمة ، وخطب خطبته
المشهورة : « إنّ الرائد لا يكذب أهله ، والله
الذي لا إله إلاّ هو إنّي رسول الله إليكم
خاصّة ، وإلى الناس عامّة » إلى أن قال :
« يا بني عبدالمطلب! إنّي والله ما أعلم شاباً
في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به ، قد
جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله
تعالى أن أدعوكم إليه ، فأيكم يؤازرني على هذا
الأمر ، على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي
فيكم »() .
فأحجم القوم عن الجواب ، إلاّ علي بن أبي
طالب (عليه السلام) فقام وقال : « أنا يا نبيّ
الله أكون وزيرك عليه » ، فأخذ (صلى الله عليه
وآله) برقبة الإمام علي وقال : « هذا أخي
ووصيي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا »() .
ولأهميتها أيضاً أمر الله العباد باطاعة من
تسلم قيادتها إذا كان كامل الأهلية ، حيث قال
تعالى : ( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا
الرَّسُولَ وَأُولِي الاَْمْرِ مِنْكُمْ )() .
فجعل الله طاعة الخليفة ، الذي يتقلد زمام
أمرها ، من طاعته وطاعة رسوله .
وقد أوجبها الفقهاء على اختلاف مذاهبهم شيعة
وسنة ، ولا نستطيع أن نستعرض هنا الآراء بشكل
مفصل في هذه الوريقات ، وإنّما نلمح إليها
برأي واحد لكل من المذهبين .
الخلافة في رأي الشيعة
فالذي عليه إجماع الشيعة ، أنّ الخلافة أو
الإمامة ، هي منصب إلهي بنصّ من الرسول (صلى
الله عليه وآله) وبوحي من الله ، يقول الإمام
محمّد حسين كاشف الغطاء : « نحن الشيعة نعتقد
أنّ الإمامة منصب إلهي كالنبوة ، فكما أنّ
الله سبحانه وتعالى يختار من يشاء من عباده
للنبوة والرسالة ، ويؤيده بالمعجزة التي هي
كالنص من الله عليه ، فكذلك يختار للإمامة من
يشاء ، ويأمر نبيه بالنصّ عليه ، وأن ينصبه
إماماً للناس من بعده ; للقيام بالوظائف التي
كان على النبي أن يقوم بها ، سوى أنّ الإمام
لا يوحى إليه كالنبي ، وانما يتلقى الأحكام من
النبي »() .
الخلافة في نظر أهل السنة
والذي عليه اجماع المذاهب السنية ، من أنّها
ضرورة من ضروريات الدين إلاّ من شذ منها ،
فيقول الماوردي : « الإمامة موضوعة لخلافة
النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا ، وعقدها
ممّن يقوم بها واجب بالإجماع »() .
أهلية الخلافة
بعد أن عرفنا أهمية الخلافة في الاسلام ، بقي
الآن أن نعرف ، هل هناك شروط فيمن يتقلد
زمامها وأمرها؟ حتى نرى أن يزيد بن معاوية كان
أهلا لها أم لا؟ فالمذاهب الاسلامية على
اختلاف آرائها وأفكارها ، تشترط في الخليفة
شروطاً معينة ، لا مجال هنا لذكرها جميعاً ،
ولكنها قد اتفقت على شرطين اساسيين : الإيمان
والعدالة .
الخليفة ورأي الشيعة
تعتبر الشيعة في الخليفة أن يكون منصوصاً عليه
من الله تعالى عن طريق النبي (صلى الله عليه
وآله) كما ذكرنا ، وأنها تشترط في الخليفة
شروطاً بالإضافة إلى إيمانه وعصمته « أن
يكون أفضل الناس في صفات الكمال ، من شجاعة
وكرم وعفّة وصدق وعدل ، ومن تدبير عقل وحكمة
وخلق »() .
وإنّ النبي (صلى الله عليه وآله) أوصى لعلي بن
أبي طالب بالخلافة في عودته من حجة الوداع ،
في مكان يقال له ( غدير خم ) ، ولهم أدلة
على ذلك في كتبهم .
فعلى هذا : فالشيعة لا ترى ليزيد ولا لأبيه
معاوية ، أي حق بالخلافة ، بالإضافة إلى عدم
توفره على أهليتها ، لفسقه وفجوره وعدم إيمانه
كما سنذكره .
الخليفة في رأي أهل السنة
أما أهل السنة فالذي عليه الرأي العام منهم ،
أنّ الخليفة يجب أن تتوفر فيه العدالة . يقول
ابن حزم الأندلسي : « اتفق جميع أهل السنة ،
وجميع المرجئة ، وجميع الشيعة ، وجميع
الخوارج ، على وجوب الإمامة ، وإنّ الأمة واجب
عليها الانقياد لإمام عادل ، يقيم فيها أحكام
الله ، ويسوسهم بأحكام الشريعة ، التي جاء بها
رسول الله »() .
واشترطوا في الخليفة أيضا :
البلوغ ، والعقل ، والذكورة ، والاسلام ،
والعلم بفرائض الدين ، والتقوى ، وعدم الضعف
والسفاهة . ثم يقول ابن حزم شارحاً معنى ما
تقدم :
1 ـ على الخليفة أن يكون عالماً بما يخصه من
أمور الدين ، من العبادات والسياسة والأحكام .
2 ـ أن يكون مؤدياً للفرائض كلّها ، لا يخلّ
بشيء منها .
3 ـ أن يجتنب جميع الكبائر سراً وجهراً .
4 ـ أن يتستر بالصغائر ، إن كانت تصدر
منه() .
يزيد وأهلية الخلافة
هذه هي أهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها
الخليفة الاسلامي ، فأين ( يزيد ) منها؟ وهل
فيه من هذه الصفات التي ذكرت ، وقد أجمع
معاصروه ، ومَن بعدهم على خلوّه منها ، وأنّه
ليست له هذه الأهلية ; لأنّه متصف بجميع
الصفات القبيحة ، كشرب الخمر ، ولعب القمار ،
وضرب الملاهي ، واللعب بالكلاب الهراش ، وإلى
ما هنالك من صفات منافية . فلنستمع إلى ما
يذكره المؤرخون عنه :
1 ـ هذا ابن قتيبة ينقل ردّ الحسين على
معاوية ، عندما جاء إلى المدينة المنورة ;
لأخذ البيعة لابنه يزيد من بعده ، من رجالات
المدينة . فبعد أن خطب فيهم وأثنى على ولده
يزيد ، قام إليه الحسين (عليه السلام) وأجابه
بعد كلام طويل قائلا لمعاوية : « كأنك تصف
محجوباً ، أو تنعت غائباً ، أو تخبر عما كان
ممّا احتويته بعلم خاص . وقد دل يزيد من
نفسه على موقع رأيه ، فخذ ليزيد فيما أخذ
فيه ، من استقرائه الكلاب المهارشة عند
التهارش ، والحمام السبق لأترابهن ، والقيان
ذوات المعازف ، وضرب الملاهي ، تجده باصراً .
ودع عنك ما تحاول ، فما أغناك أن تلقى الله
من وزر هذا الخلق ، بأكثر ممّا أنت
لاقيه »() .
2 ـ ذكر الطبري : أنّ عثمان بن محمّد بن
أبي سفيان ، والي يزيد على المدينة آنذاك ،
بعث بجماعة من أهل المدينة الى يزيد ، وفيهم
عبدالله بن حنظلة والمنذر بن الزبير وآخرون من
أشراف المدينة .
فقدموا على يزيد ، فأكرمهم وأحسن إليهم ،
وأعظم جوائزهم ، ثم رجعوا الى المدينة وهم على
رأي واحد ، فقالوا : « إنّا قدمنا من عند رجل
ليس له دين ، يشرب الخمر ، ويعزف
بالطنابير ، ويضرب عنده القيان ، ويلعب
بالكلاب ، ويسامر الحراب والفتيان ، وإنّا
نشهدكم أنّا قد خلعناه فتابعهم الناس »() .
3 ـ ويقول الشوكاني في رده على بعض وعاظ
السلاطين : « لقد أفرط بعض أهل العلم ، فحكموا
بأنّ الحسين السبط رضي الله عنه وأرضاه باغ
على الخمير السكير ، الهاتك لحرمة الشريعة
المطهرة ، يزيد بن معاوية لعنهم الله ، فيا
للعجب من مقالات تقشعر منها الجلود »() .
هذا بعض ما قيل في يزيد بن معاوية ، بل ذهب
بعض العلماء الى كفره ، والتشكيك في إيمانه ،
وجواز لعنه .
« وقد جزم بكفره وصرّح بلعنه جماعة من
العلماء ، منهم : القاضي أبو يعلى ، والحافظ
ابن الجوزي ، والتفتازاني ، والسيوطي »() .
وقال التفتازاني : « الحق إن رضا يزيد بقتل
الحسين واستبشاره به ، واهانته أهل بيت
النبي ، ممّا تواتر معناه ، وإن كان تفاصيله
آحاد ، فنحن لا نتوقف في شأنه ، بل في
إيمانه ، لعنة الله عليه وعلى أنصاره
وأعوانه() .
وقد بلغت الوقاحة والاستهتار بيزيد الى درجة
لا يتصورها إنسان ، وذلك أنّ معاوية أرسله الى
الحج في حياته ، فلما بلغ يزيد المدينة
المنورة ، جلس على مائدة الخمر ، فاستأذن عليه
ابن عباس ، فأذن له ، وكان مكفوف البصر ،
فقيل له : إنّ ابن عباس إن وجد ريح الشراب
عرفه ، فحجبه عنه »() . الى ما هنالك من
عشرات أقوال الصحابة والتابعين والعلماء ، في
يزيد بن معاوية ، ولو توسعنا لاحتجنا إلى
مجلدات .
وبعد هذا العرض ، فهل يجد إنسان ما في يزيد
أهلية الخلافة؟ اللّهم إلاّ بعض الحاقدين من
أعوان السلطان وتجار المادة ، الذين لا يخلو
زمان ومكان منهم .
إنّ جميع ما تقدم ، هو نزر يسير ممّا فعله
يزيد بن معاوية ، وما ارتكبه الحكم الأموي ،
من هتك حرمة الاسلام ، والتعدي على الشريعة
المقدسة ، وتقويض أركانها ، ومن ثم الاجهاض
عليها من جذورها() .
فلم تجد منقذاً ولا مخلصاً لها ، إلاّ
الحسين (عليه السلام) ابن بنت صاحب الرسالة ،
فقام (عليه السلام) مغيثاً لها بثورته
المقدسة ، في اليوم العاشر من محرم سنة 61
هجرية ، وأنقذها من الحكم الأموي الجائر
قائلا : « فإني لا أرى الموت إلاّ سعادة ،
والحياة مع الظالمين إلاّ برما » .
وقد أبدع في تصوير هذا الموقف الشاعر ، حينما
يرثي الحسين (عليه السلام)في قصيدة طويلة ، تضم
عشرات الأبيات منها :
يوم بحامية الاسلام قد نهضت***به حمية دين
الله إذ تركا
رأى بأنّ سبيل الغي متبع***والرشد لم تدرِ قوم
أيه سلكا
والناس عادت إليهم جاهليتهم***كأنّ من شرع
الإسلام قد أفكا
وقد تحكم بالايمان طاغية***يمسي ويصبح بالفحشاء
منهمكا
لم أدرِ أين رجال المسلمين مضوا***وكيف صار
يزيد بينهم ملكا
العاصر الخمر من لؤم بعنصره***ومن خساسة طبع
يعصر الودكا
أم كيف يسلم من شرك ووالده***ما نزهت حمله
هند عن الشركا
لإن جرت لفظة التوحيد في فمه***فسيفه بسوى
التوحيد ما فتكا
قد أصبح الدين منه شاكياً سقماً***وما الى أحد
غير الحسين شكا
فما رأى السبط للدين الحنيف شفاً***إلاّ إذا دمه
في نصره سفكا
وما سمعنا عليلا لا علاج له***إلاّ بنفس
مداويه إذا هلكا
بقتله فاح للإسلام طيب هدى***فكلما ذكرته
المسلمون ذكا()
هل انتصر الحسين؟ ولمن النصر؟
الإمام الحسين (عليه السلام) انسان عقائدي ،
وصاحب مبدأ ، وحامل رسالة . والانسان الذي
يتصف بهذه الصفة ، هو انسان فدائي لعقيدته
ومبدئه ورسالته ، ويكون لديه الاستعداد الكامل
للتضحية والبذل والفداء .
فهو لا يفكر في البقاء والحياة ، إلاّ إذا
كانت الحياة تكسب نصراً لعقيدته ورسالته ، وإذا
كان الموت والفداء يحققان النصر للمعتقد وللهدف
المنشود ، فالموت لديه أفضل من الحياة ، التي
لا تقدم نصراً للعقيدة والرسالة .
وهذا المفهوم تجسد في الحسين ، والحسين تجسد
فيه ، فهو سبط الرسول الأكرم محمّد (صلى الله
عليه وآله) ، الذي عرض عليه المشركون الدنيا
بأبعادها ، قائلين لأبي طالب ، عمّه وناصره
ومؤمن قريش :
قل لابن أخيك : إن كان يريد مالا أعطيناه
مالا لم يكن لأحد من قريش ، وإن كان يريد
ملكاً توجناه على العرب . . . الخ .
فجاء الى النبيّ (صلى الله عليه وآله) فاخبره
بمقالة القوم ، فاستعبر النبيّ قائلا :
« يا عمّاه! لو وضعوا الشمس في يميني ،
والقمر في شمالي ، على أن أترك هذا الأمر ،
حتى يظهره الله أو أهلك فيه ، ما تركته »() .
وهذا أبوه علي بن أبي طالب (عليه السلام)
الفدائي الأوّل للإسلام ، ولنبيه محمد (صلى الله
عليه وآله) في كل الحروب والمواطن .
وهذا عمه حمزة سيد الشهداء ، وهذا أيضاً عمه
جعفر الطيار رضوان الله عليهما ، نصروا
الاسلام بكل ما يملكون ، فالموت في مفهوم
هؤلاء الأبرار الشهداء حياة إذا نصروا المبدأ
والعقيدة ، والحياة ممات إذا كانت بلا هدف
ولا عقيدة .
فالحسين (عليه السلام) ينطلق من مفهوم جدّه
وأبيه وأعمامه الخيرين ، فرأى لابد أن يمزق
الخناق ، الذي فرضه يزيد على الاسلام ، ويغذي
شجرة الشريعة ، التي كادت أن تنضب وتجف في ظل
الحكم الأموي ، وإن كان ذلك يسبب له إزهاق
الأرواح ، وقتل الأنفس ، وجريان الدماء على
وجه الأرض ; لترتوي الغصون الذابلة للشجرة
الإسلامية ، من هذه الدماء الزكية ، دم
الحسين وأهل بيته وأنصاره .
ولأنّه أيضاً جهاد في سبيل الله ونصرة دينه ،
فاستجاب أبو الفداء الحسين لذلك ، ووقف في
صبيحة عاشوراء ، يقدم فتيانه من آله وأنصاره ،
ضحية بعد ضحية ، وقرباناً بعد قربان قائلا :
« اللّهمّ إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى » ;
ولأنّه يرى أنّ النصر لا يتم إلاّ بهذه
القرابين ، وبهذه الضحايا .
وأخيراً نرى الإمام الحسين انتصر على عدوه ،
بعد استشهاده من ناحيتين :
الناحية الاولى :
إنّ ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) كانت
العامل الرئيسي ، الذي لعب دوراً هاماً في كشف
أباطيل الحكام ، المنحرفين عن الخط الإسلامي
السليم ، وانتزاع السلطة التشريعية من أيديهم ،
بعد أن كان الخليفة يحكم ويشرع كما يحب
ويرغب ، وفق ميوله وأهوائه ، فيحرّم ما أحلّه
الله ورسوله ، ويحلل ما حرم الله ورسوله .
فالإمام الحسين (عليه السلام) استطاع بثورته
الخالدة ، أن ينتزع تلكم السلطة من يد
الخليفة المنحرف ، بأفكاره وسلوكه آنذاك ،
وأفهم الرأي العام الاسلامي ، بأنّ الخليفة ليس
له حق في تشريع أي حكم ، وإنّما التشريع
منحصر في الكتاب والسنة ، وما يؤدي إليهما ،
كما قال تعالى : ( وَما كانَ لِمُؤْمِن وَلا
مُؤْمِنَة إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً
أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ
وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ
ضَلالاً مُبِيناً )() .
ولولا ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) لرأينا
كثيراً من الأحكام الاسلامية قد غيرت وبدلت ،
كما هو الحال في المسيحية وتحريف ديانتها .
ولكن الله تعالى حيث قد ضمن حفظ التشريع
الاسلامي من الانحراف والضياع ، بقوله تعالى :
( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا
لَهُ لَحافِظُونَ )() .
ولهذا ثار الحسين ; ليضع حداً للتلاعب بأحكام
الشريعة الاسلامية الغرّاء ، من قبل المستهترين
والحاقدين ، وبهذا انتصر الإمام الحسين بثورته
المباركة .
الناحية الثانية :
إنّه قد يتبادر لذهن القارئ ، كيف انتصر
الإمام الحسين ، مع أنّه قتل؟ والجواب : قد
يكون غريباً وغير مألوف لذهن السائل ; لأنّه
على خلاف المفهوم المادي للنصر ، ولكن نقول :
هناك معركة بين إرادتين :
1 ـ الإرادة الحسينية
وهي التي لم تملك إلاّ اليسير من العدة
والعدد ، مع الالتزام الكامل بالوسائل التي
أباحها الإسلام .
2 ـ الإرادة الأموية
وهي التي تتمتع بالملك والسيطرة والمال والكثرة
في العدد والعدة ، مع إباحة جميع وسائل
الإغراء والتمويه والتضليل ; لأنّها تبرر
وسائلها بغايتها ، والغاية تبرر الوسيلة .
واصطدمت الإرادتان في مواقف عديدة ، فلم تفلح
الإرادة الأموية بنجاح ، واستعملت كل طاقاتها
وإمكانياتها ; لكي تثني الإرادة الحسينية عن
المضي والاستمرار في هدفها وغايتها . ولكنها
منيت بالفشل والخسران والهزيمة .
وبقيت الإرادة الحسينية صامدة أمام تحديات
الإرادة الأموية ، ولكن الإرادة الأموية جاءت
لتجبر هزيمتها وخسارتها ، فاستعملت سلاحها
وقوتها ، بكل حقد وضعة ووحشية ، فقتلت الرجال
ومثلت بهم ، حقداً وتشفياً .
ومع هذا كله بقيت إرادة الحسين وشهدائه حية
صامدة تهزأ بالعرش الأموي وجبروته ، وتضعضع
أركانه بين حين وآخر ، حتى قضت على معنويته
ووجوده وإرادته .
وهكذا كان النصر والفتح للحسين ، كما تنبأ
هو (عليه السلام) في كتابه إلى بني هاشم
قائلا : « أما بعد : فإنّه من لحق بي منكم
استشهد ، ومن تخلف لم يبلغ مبلغ الفتح
والسلام »() .
وقال تعالى : ( وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ
فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ
وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ )() .
وأخيراً يا سيدي يا أبا عبدالله! سلام الله
عليك يوم ولدت ، ويوم استشهدت من أجل الحق ،
ويوم تبعث حياً ، وسلام الله على المستشهدين
بين يديك من أهلك وأصحابك .
رسائل وكتب
متبادلة بين معاوية
والإمام الحسين (عليه السلام)
1 ـ جواسيس الأمويين على الإمام الحسين (عليه
السلام)
الإمام الحسين (عليه السلام) له شخصية جذابة ،
ومقام شامخ في وجدان الأمة الإسلامية ، ولهذا
كانت الشخصيات والوفود في العالم الاسلامي تفد
عليه ، وتنهل من فيض علمه ; لأنّه سبط الرسول
وريحانته ووريث علمه ، ممّا أوجب حقد السلطة
الأموية عليه ، والخوف منه ومن نشاطه . ولهذا
رفعت التقارير السرية ، من قبل عيون وجواسيس
معاوية في المدينة المنورة ، حول الإمام
الحسين (عليه السلام) إلى معاوية في الشام .
تقرير مروان بن الحكم الى معاوية
ومن جملة العيون والجواسيس التي عيّنها معاوية
لمراقبة الإمام الحسين (عليه السلام) هو مروان
بن الحكم ، وكان عامل معاوية على المدينة ،
فكتب إليه هذا التقرير :
« أما بعد : فإن عمرو بن عثمان ذكر : أنّ
رجالاً من أهل العراق ووجوه أهل الحجاز ،
يختلفون إلى الحسين بن علي . وذكر أنّه لا
يأمن وثوبه ، وقد بحثت عن ذلك ، فبلغني أنه
لا يريد الخلافة يومه هذا ، ولست آمن أن يكون
هذا أيضاً لمن بعده ، فاكتب إليّ برأيك في
هذا والسلام »() .
جواب معاوية لمروان
فلما وصل هذا التقرير لمعاوية كتب إليه ما
يلي :
« أما بعد : فقد بلغني كتابك ، وفهمت ما
ذكرت فيه من أمر الحسين ، فإياك أن تتعرض
للحسين في شيء ، واترك حسيناً ما تركك ،
فإنّا لا نريد أن نتعرض له في شيء ما وفى
ببيعتنا ، ولم ينازعنا سلطاننا ، فاكمن عنه ما
لم يبد لك صفحته ، والسلام »() .
2 ـ رسالة معاوية إلى الإمام الحسين
ثم إنّ معاوية كتب رسالة إلى الإمام
الحسين (عليه السلام) ، يحذره فيها من الخروج
عن طاعته وهذه نصها :
« أما بعد : فقد انتهت إليّ أمور عنك ، إن
كانت حقاً فقد أظنك تركتها رغبة فدعها ، ولعمر
الله إنّ من أعطى الله عهده وميثاقه لجدير
بالوفاء ، وإن كان الذي بلغني عنك باطلاً ،
فإنك أعزل الناس لذلك وعظ نفسك ، فاذكر وبعهد
الله أوف ، فإنك متى ما تنكرني أنكرك ، ومتى
ما تكدني أكدك ، فاتق شق عصا هذه الأمة ،
وأن يوردهم الله على يديك في فتنة ، فقد عرفت
الناس وبلوتهم ، فانظر لنفسك ولدينك ولأمة
محمّد ، ولا يستخفنك السفهاء الذين لا
يعلمون »() .
3 ـ جواب الإمام الحسين لمعاوية
ولمّا وصل كتاب معاوية بن أبي سفيان إلى
الإمام الحسين (عليه السلام) ، أجابه الإمام
بجواب لاذع ، يكشف فيه اعمال معاوية المنافية
للاسلام وتعاليمه ، وإليك نصّه :
« أما بعد : فقد بلغني كتابك ، تذكر أنّه قد
بلغك عني أمور أنت لي عنها راغب ، وأنا
بغيرها عندك جدير ، فإنّ الحسنات لا يهدي
لها ، ولا يسدد إليها إلاّ الله .
وأمّا ما ذكرت أنّه انتهى إليك عني ، فإنّه
إنّما رقاه إليك الملاقون المشاؤون بالنميم ،
وما أريد لك حرباً ، ولا عليك خلافاً ، وايم
الله إنّي لخائف لله في ترك ذلك ، وما أظن
الله راضياً بترك ذلك ، ولا عاذراً بدون
الإعذار فيه إليك ، وفي أولئك القاسطين
الملحدين حزب الظلمة ، وأولياء الشياطين .
ألستَ القاتل حجراً أخا كندة ، والمصلين
العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم ويستعظمون
البدع ، وَ لا يَخافُونَ في الله لَوْمَةَ
لائِم ، ثم قتلتهم ظلماً وعدواناً ، من بعد
ما كنت أعطيتهم الأيمان المغلظة ، والمواثيق
المؤكدة ، ولا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم ،
ولا بإحنة تجدها في نفسك .
أولستَ قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول
الله (صلى الله عليه وآله) ، العبد الصالح الذي
أبلته العبادة ، فنحل جسمه ، واصفر لونه ،
بعدما أمنته وأعطيته من عهود الله ومواثيقه ،
ما لو أعطيته طائراً لنزل إليك من رأس
الجبل ، ثم قتلته جرأةً على ربك ، واستخفافاً
بذلك العهد .
أولستَ المدعي زياد بن سمية ، المولود على
فراش عبيد ثقيف ، فزعمت أنه ابن أبيك ، وقد
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : « الولد
للفراش وللعاهر الحجر » فتركت سنة رسول الله
تعمداً ، وتبعت هواك بغير هدى من الله ، ثم
سلّطته على العراقين ، يقطع أيدي المسلمين
وأرجلهم ، ويسمل أعينهم ، ويصلبهم على جذوع
النخل ، كأنك لست من هذه الأمة ، وليسوا
منك .
أولستَ صاحب الحضرميين ، الذين كتب فيهم ابن
سمية : أنّهم كانوا على دين علي صلوات الله
عليه ، فكتبت إليه : أن اقتل كل من كان على
دين علي ، فقتلهم ومثّل بهم بأمرك ، ودين
علي (عليه السلام) واللهِ الذي كان يضرب عليه
أباك ويضربك ، وبه جلستَ مجلسك الذي جلستَ ،
ولولا ذلك لكان شرفك ، وشرف أبيك الرحلتين .
وقلت فيما قلت : « انظر لنفسك ولدينك ولأمة
محمّد ، واتقِ شق عصا هذه الأمة ، وأن تردهم
إلى فتنة » وإني لا أعلم فتنة أعظم على هذه
الأمة من ولايتك عليها ، ولا أعلم نظراً
لنفسي ولديني ولأمة محمّد (صلى الله عليه
وآله)علينا ، أفضل من أن أجاهدك ، فإن فعلتُ
فإنّه قربة إلى الله ، وإن تركتُه فإني استغفر
الله لذنبي ، وأسأله توفيقه لإرشاد أمري .
وقلت فيما قلت : « إني إن أنكرتك تنكرني ،
وإن أكدك تكدني » ، فكدني ما بدا لك ، فإني
أرجو أن لا يضرني كيدك فيّ ، وأن لا يكون
على أحد أضرّ منه على نفسك ، لأنّك قد ركبت
جهلك ، وتحرصت على نقض عهدك ، ولعمري ما
وفيتَ بشرط ، ولقد نقضت عهدك بقتلك هؤلاء
النفر ، الذين قتلتهم بعد الصلح والأيمان
والعهود والمواثيق ، فقتلتهم من غير أن يكونوا
قاتلوا وقتلوا ، ولم تفعل ذلك بهم إلاّ
لذكرهم فضلنا ، وتعظيمهم حقّنا ، فقتلتهم
مخافة أمر ، لعلك لو لم تقتلهم مت قبل أن
يفعلوا ، أو ماتوا قبل أن يدركوا .
فابشر يا معاوية بالقصاص ، واستيقن بالحساب ،
واعلم أن لله تعالى كتابا ( لا يُغادِرُ
صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها )() ،
وليس الله بناس لأخذك بالظنّة ، وقتلك أولياءه
على التهمة ، ونفيك أولياءه من دورهم إلى دار
الغربة ، وأخذك الناس ببيعة ابنك غلام
حَدَث ، يشرب الخمر ، ويلعب بالكلاب ، لا
أعلمك إلاّ وقد خسرت نفسك ، وبترت دينك ،
وغششت رعيتك ، وأخزيت أمانتك ، وسمعت مقالة
السفيه الجاهل ، وأخفت الورع التقي لأجلهم ،
والسلام »() .
4 ـ رسالة معاوية الثانية للإمام الحسين (عليه
السلام)
جواسيس معاوية وعيونه ، يرفعون التقارير الى
معاوية ، حول الإمام الحسين واتصالات الناس
به ، واجتماعه معهم ، ممّا يزيد في غيظ
معاوية وحقده على الإمام الحسين (عليه السلام) ،
فبعث للإمام بهذه الرسالة :
« إنّ من أعطى الله صفقة يمينه وعهده لجدير
بالوفاء ، وقد انبئت أنّ قوماً من أهل
الكوفة ، قد دعوك الى الشقاق!! وأهل العراق
مَن قد جربت ، قد أفسدوا على أبيك وأخيك ،
فاتق الله ، واذكر الميثاق ، فإنك متى تكدني
أكدك ، وإني لأظنّ أنّ في رأسك فروة ، فوددت
أني أدركتها ، فافغرها لك »() .
5 ـ الإمام الحسين يردّ على معاوية
فلمّا وصل كتاب معاوية الثاني الى الإمام
الحسين (عليه السلام) فتأثر منه وكتب اليه راداً
عليه بقوله :
« أتاني كتابك ، وأنا بغير الذي بلغك عني
جدير ، والحسنات لا يهدي لها إلاّ الله ،
وما أردت لك محاربة ، ولا عليك خلافاً ، وما
أظن أنّ لي عند الله عذراً في ترك جهادك!!
وما أعلم فتنة أعظم من ولايتك أمر هذه الأمة!!
ثم إنّك وليت عليهم ابنك وهو غلام يشرب
الشراب ، ويلهو بالكلاب ، فخنت أمانتك ،
وأخربت رعيتك ، ولم تؤدّ نصيحة ربك ، فكيف
تولّي على أمة محمّد مَن يشرب المسكر؟ وشارب
المسكر من الفاسقين ، وشارب المسكر من
الأشرار ، وليس شارب المسكر بأمين على درهم ،
فكيف على الأمة؟! فعن قليل ترد على عملك ،
حين تطوى صحائف الاستغفار »() .
6 ـ الاجتماع الأوّل بين معاوية والحسين
وعبدالله بن عباس في المدينة
المدينة المنورة تشهد اجتماعاً بين معاوية ،
والإمام الحسين (عليه السلام)وعبدالله بن عباس ،
حينما جاء معاوية الى المدينة ; لأخذ البيعة
لولده يزيد ، واجتمع مع الإمام الحسين وابن
عباس ، وذكر فضائل ولده ، وطلب منهما البيعة
له ، فأراد ابن عباس ردّه ، فأشار الإمام
الحسين إليه قائلا : « على رسلك ، فأنا
المراد ، ونصيبي في التهمة أوفر » . فامسك بن
عباس ، فقام الإمام الحسين راداً عليه ، وبعد
أن حمد الله وصلّى على رسوله ، قال :
« أمّا بعد : يا معاوية! فلن يؤدّي القائل
وإن أطنب في صفة الرسول (صلى الله عليه وآله) من
جميع جزءاً ، وقد فهمتُ ما لبستَ به الخلف
بعد رسول الله ، من إيجاز الصفة والتنكب عن
استبلاغ البيعة ، وهيهات هيهات يا معاوية! فضح
الصبحُ فحمةَ الدجى ، وبهرت الشمس أنوار
السُرج ، ولقد فضلتَ حتى أفرطتَ ، واستأثرتَ
حتى أجحفت ، ومنعتَ حتى بخلتَ ، وجِرتَ حتى
جاوزتَ ، ما بذلت لذي حق من أتمّ حقه
بنصيب ، حتى أخذ الشيطان حظه الأوفر ، ونصيبه
الأكمل .
وفهمتُ ما ذكرته عن يزيد ، من اكتماله
وسياسته لأمة محمّد ، تريد أن توهم الناس في
يزيد ، كأنك تصف محجوباً ، أو تنعت غائبا ،
أو تخبر عمّا كان ممّا احتويته بعلم خاص ،
وقد دل يزيد من نفسه على مواقع رأيه ، فخذ
ليزيد فيما أخذ به ، من استقرائه الكلاب
المهارشة عند التحارش ، والحمام السبق
لأترابهن ، والقينات ذوات المعازف ، وضروب
الملاهي ، تجده ناصراً ، ودع عنك ما تحاول ،
فما أغناك أن تلقى الله بوزر هذا الخلق ،
بأكثر ممّا أنت لاقيه .
فوالله ما برحت تقدر باطلاً في جور ، وحنقاً
في ظلم ، حتى ملأتَ الأسقية ، وما بينك وبين
الموت إلاّ غمضة ، فتقدم على عمل محفوظ في
يوم مشهود ، ولات حين مناص .
ورأيتك عرضت بنا بعد هذا الأمر ، ومنعتنا عن
آبائنا ، ولقد لعمر الله أورثنا الرسول (صلى
الله عليه وآله) ولادةً ، وجئت لنا بها ما
حججتم به القائم
عند موت الرسول ، فأذعن للحجة بذلك ، ورده
الإيمان إلى النصف ، فركبتم الأعاليل ، وفعلتم
الأفاعيل ، وقلتم : كان ويكون ، حتى
أتاك الأمر يا معاوية! من طريق كان قصدها
لغيرك ، فهناك فاعتبروا
يا أولي الأبصار .
وذكرت قيادة الرجل القوم بعهد رسول الله (صلى
الله عليه وآله) ، وتأميره له ، وقد كان ذلك
ولعمرو بن العاص يومئذ فضيلة بصحبة الرسول
وبيعته له ، وما صار لعمرو يومئذ حتى أنف
القوم إمرته ، وكرهوا تقديمه ، وعدوا عليه
أفعاله ، فقال (صلى الله عليه وآله) : لا جرم
معشر المهاجرين ، لا يعمل عليكم بعد اليوم
غيري ، فكيف يُحتج بالمنسوخ من فعل الرسول ،
في أوكد الأحوال وأولاها بالمجتمع عليه من
الصواب؟ أم كيف صاحبت بصاحب تابع ، وحولك من
لا يؤمن في صحبته ، ولا يعتمد في دينه
وقرابته؟ وتتخطاهم إلى مسرف مفتون ، تريد أن
تلبس الناس شبهة يسعد بها الباقي في دنياه ،
وتشقى بها في آخرتك ، إن هذا لهو الخسران
المبين ، واستغفر الله لي ولكم »() .
7 ـ الاجتماع الثاني بين معاوية والإمام الحسين
في مكة المكرمة
أخذ معاوية يمهد الجو لخلافة ولده يزيد ،
وأخذ البيعة له عن طريق الإغراء والإكراه ،
وجاء الى مكة المكرمة لهذا الغرض ، واجتمع
اجتماعاً خاصاً مع الإمام الحسين ، قائلا له :
« يا أبا عبدالله! اعلم أني ما تركت بلداً
إلاّ وقد بعثت إلى أهله ، فأخذت عليهم البيعة
ليزيد ، وإنّما أخّرت المدينة ; لأني قلت هم
أصله وقومه وعشيرته ومن لا أخافهم عليه ، ثم
إني بعثت الى المدينة بعد ذلك ، فأبى بيعته
من لا أعلم أحداً هو أشد بها منهم ، ولو
علمت أن لأمة محمّد (صلى الله عليه وآله) خير من
ولدي يزيد لما بعثت له » .
فقال له الحسين (عليه السلام) : « مهلا يا
معاوية! لا تقل هكذا . أنا والله أحقّ بها
منه ، فإنّ أبي خيرٌ من أبيه ، وجدّي خير
من جدّه ، وأمي خير من أُمه ، وأنا خير
منه » .
فقال معاوية : « أمّا ما ذكرت أنّ جدك خير
من جدّه فصدقت ، رسول الله (صلى الله عليه وآله)
خير من أبي سفيان . وأما ما ذكرت أن امك
خير من امه فصدقت ، فاطمة بنت رسول الله خير
من بنت بحدل . وأمّا ما ذكرت أن أباك خير من
أبيه ، فله سابقة وفضل وقرابة من الرسول ،
ليست لغيره من الناس . ولكن قارع أبوك أباه ،
فقضى الله لأبيه على أبيك . وأمّا ما ذكرت
أنك خير منه ، فهو والله خير لأمة محمّد (صلى
الله عليه وآله) منك » .
فقال الحسين (عليه السلام) : « مَن خير لأمّة
محمّد؟ يزيد الخمور والفجور »؟!
فقال معاوية : « مهلا أبا عبدالله! فإنّك لو
ذُكرتَ عنده ، لما ذَكر منك إلاّ حسناً » .
فقال الحسين (عليه السلام) : « إنْ علم منّي
ما أعلمه منه أنا ، فليقل فيّ ما أقول
فيه » .
فقال له معاوية مهدداً : « أبا عبدالله! انصرف
إلى أهلك راشداً ، واتق الله في نفسك ، واحذر
أهل الشام أن يسمعوا منك ما قد سمعتُه ،
فإنّهم أعداؤك وأعداء أبيك » .
فانصرف الحسين (عليه السلام) إلى منزله() .
8 ـ بين معاوية وواليه على المدينة سعيد بن
العاص
عزل معاوية مروان بن الحكم من ولايته على
المدينة المنورة ، واستبدل به سعيد بن العاص ;
لكي يحكّم البيعة لولده يزيد ، واجبار شخصيات
أهل المدينة على ذلك .
وبعد أن استلم الولاية على المدينة ، كتب إلى
معاوية هذه الرسالة : « أما بعد : فإنك
أمرتني أن أدعو الناس لبيعة يزيد ابن أمير
المؤمنين ، وأن أكتب إليك بمن سارع ممّن
أبطأ ، وإني أخبرك أن الناس عن ذلك بطاء ،
لا سيما أهل البيت من بني هاشم ، فإنّه لم
يجبني منهم أحد ، وبلغني عنهم ما أكره ،
وأمّا الذي جاهر بعداوته وإبائه لهذا الأمر
فعبد الله بن الزبير ، ولست أقوى عليهم إلاّ
بالخيل والرجال ، أو تقدم بنفسك فترى رأيك في
ذلك ، والسلام »() .
9 ـ معاوية يخدع ويمكر
اجتمع معاوية في مكة المكرمة مع المعارضين
لبيعة ولده يزيد وهم الإمام الحسين (عليه
السلام) ، وعبدالله بن الزبير ، وعبدالله بن
عمر ، وعبدالرحمان ابن أبي بكر . فهددهم
وأنذرهم بالقتل ، وجعل على رأس كل واحد منهم
رجلين من حراسه يحملان السيف ، قائلا : إن
تكلموا هؤلاء بكلمة أو تعقيباً على كلامه ،
فاضربوا أعناقهم جميعاً ، ثم قال معاوية
للحسين والنفر المعارض معه :
« فإني قد أحببت أن أتقدم إليكم ، إنّه قد
أعذر من أنذر ، إني كنت أخطب فيكم ، فيقوم
إليّ القائم منكم فيكذبني على رؤوس الناس
فأحتمل ذلك وأصفح ، وإني قائم بمقالة ، فأقسم
بالله لئن ردّ عليّ أحدكم كلمة في مقامي
هذا ، لا ترجع إليه كلمة غيرها ، حتى يسبقها
السيف إلى رأسه ، فلا يبقين رجل إلاّ على
نفسه » .
حراس معاوية يمتثلون أوامره
ثم تكلّم حراس معاوية بعد أن وضعوا أيديهم
على سيوفهم ، قائلين له :
« يا أميرالمؤمنين! ما هذا الذي تعظمه من أمر
هؤلاء الأربعة؟ إئذن لنا أن نضرب أعناقهم ،
فإنّا لا نرضى أن يبايعوا سرّاً ، ولكن
يبايعوا جهراً ، حتى يسمع الناس أجمعون » .
فأجابهم معاوية قائلا : سبحان الله! ما أسرع
الناس بالشر ، وما أحلى بقاءهم عندهم! اتقوا
الله يا أهل الشام ، ولا تسرعوا إلى
الفتنة ، فإنّ القتل له مطالبة وقصاص .
معاوية يخطب أمام الناس مخادعاً
ثم إنّ معاوية قام ورقى المنبر ، فحمد الله
وأثنى عليه ، ثم قال : « إن هؤلاء الرهط سادة
المسلمين وخيارهم ، لا يبتز أمر دونهم ، ولا
يُقضى إلاّ عن مشورتهم ، وإنهم قد رضوا
وبايعوا ليزيد ، فبايعوا على اسم الله » .
فبايع الناس ، وكانوا يتربصون بيعة هؤلاء
النفر ، ثم ركب رواحله وانصرف إلى الشام .
وجاء أهل مكة إلى هؤلاء الأربعة وقالوا لهم :
لماذا رضيتم وبايعتم؟
فأجابهم الإمام الحسين (عليه السلام) بقوله :
« لا والله ما بايعنا! ولكنّ معاوية خدعنا
وكادنا ببعض ما كادكم به » ، ثم صعد المنبر
وتكلم بكلام ، « وخشينا إن رددنا مقالته عليه
أن تعود الفتنة جذعاً ، ولا ندري إلى ما يؤول
أمرنا ، فهذه قصتنا معه »() .
 |