10 ـ الإمام الحسين يمهد لثورته في أيام
معاوية
في سنة 57 هجرية أعلن معاوية ولاية العهد
لولده ، وأخذ البيعة له ، وأراد بهذا الإعلان
أن يمهد لامبراطورية أموية لاسرته وعشيرته ،
ممّا حدى بالمؤمنين الملتزمين بخط الشريعة
الاسلامية أن يعلنوا معارضتهم لهذا التعيين
والتنصيب . وفي طليعتهم الإمام الحسين (عليه
السلام) ، فأخذ يمهد الجو للمعارضة بمختلف
الطرق السلمية وغيرها ، فجاء الى مكة ; لأداء
فريضة العمرة والحج ، وعقد مؤتمراً عاماً في
منى ، وحضره ما يقارب ألف نفر ، وكان هذا
الجمع يمثل كافة الطبقات ، من صحابة رسول
الله ، والتابعين ، ومن بني هاشم ، وشيعته ،
ومواليه .
فقام (عليه السلام) خطيباً فيهم ، معلناً جرائم
الحكم الأموي المغاير للكتاب والسنة ، وفي نفس
الوقت مبيناً فضائله وفضائل أهل البيت (عليهم
السلام) ، وأحقيتهم بالحكم والخلافة وإليك نصه :
« أما بعد : فإنّ هذا الطاغية ، قد صنع بنا
وبشيعتنا ما قد علمتم ورأيتم وشهدتم وبلغكم .
وإني أريد أن أسألكم عن أشياء ، فإن صدقت
فصدّقوني ، وإن كذبت فكذّبوني ، اسمعوا
مقالتي ، واكتموا قولي ، ثم ارجعوا إلى
أمصاركم وقبائلكم من آمنتموه ووثقتم به ،
فادعوهم إلى ما تعلمون ، فإني أخاف أن يندرس
هذا الحق ويذهب ، والله متم نوره ولو كره
الكافرون » .
قال سُليم : فكان فيما ناشدهم الحسين (عليه
السلام) وذكرهم أن قال : « أنشدكم الله أتعلمون
أنّ علي بن أبي طالب كان أخا رسول الله (صلى
الله عليه وآله) حين آخى بين أصحابه ، فآخى
بينه وبين نفسه ، وقال : أنت أخي وأنا أخوك
في الدنيا والآخرة؟
قالوا : اللّهم نعم .
قال : أنشدكم الله هل تعلمون أن رسول
الله (صلى الله عليه وآله) اشترى موضع مسجده
ومنازله فابتناه ، ثم ابتنى فيه عشرة منازل
تسعة له وجعل عاشرها في وسطها لأبي ، ثم سدّ
كل باب شارع إلى المسجد غير بابه ، فتكلم في
ذلك من تكلم فقال (صلى الله عليه وآله) : ما
أنا سددت أبوابكم وفتحت بابه ، ولكن الله
أمرني بسد أبوابكم وفتح بابه ، ثم نهى الناس
أن يناموا في المسجد غيره ، ومنزله في منزل
رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فولد لرسول
الله (صلى الله عليه وآله) وله فيه أولاد؟
قالوا : اللّهم نعم .
قال : أفتعلمون أن عمر بن الخطاب حرص على
كوة قدر عينه يدعها من منزله إلى المسجد ،
فأبى عليه ، ثم خطب (صلى الله عليه وآله)
فقال : إن الله أمرني أن أبني مسجداً
طاهراً ، لا يسكنه غيري وغير أخي وإبنيه؟
قالوا : اللّهم نعم .
قال : أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله (صلى
الله عليه وآله) نصبه يوم غدير خم ، فنادى له
بالولاية ، وقال : ليبلغ الشاهد الغائب؟
قالوا : اللهم نعم .
قال أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله (صلى
الله عليه وآله) قال له في غزوة تبوك : أنت
مني بمنزلة هارون من موسى ، وأنت ولي كل
مؤمن بعدي؟ قالوا : اللّهم نعم .
قال : أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله (صلى
الله عليه وآله) حين دعا النصارى من أهل نجران
إلى المباهلة ، لم يأت إلاّ به وبصاحبته
وابنيه؟ قالوا : اللّهم نعم .
قال : أنشدكم الله أتعلمون أنه دفع إليه
اللواء يوم خيبر ، ثم قال : لأدفعه إلى رجل
يحبه الله ورسوله ، ويحب الله ورسوله ، كرّار
غير فرّار ، يفتحها الله على يديه؟ قالوا :
اللّهم نعم .
قال : أتعلمون أن رسول الله (صلى الله عليه
وآله) بعثه ببراءة ، وقال : لا يبلّغ عني
إلاّ أنا أو رجل مني؟ قالوا : اللّهم نعم .
قال : أتعلمون أن رسول الله (صلى الله عليه
وآله) لم تنزل به شدة قط إلاّ قدّمه لها ،
ثقة به ، وأنّه لم يدعه باسمه قط إلاّ أن
يقول : يا أخي ، وادعوا لي أخي؟ قالوا :
اللّهم نعم .
قال : أتعلمون أن رسول الله (صلى الله عليه
وآله) قضى بينه وبين جعفر وزيد ، فقال له :
يا علي أنت مني وأنا منك ، وأنت وليّ كل
مؤمن بعدي؟ قالوا : اللّهم نعم .
قال : أتعلمون أنه كانت له من رسول الله (صلى
الله عليه وآله) كل يوم خلوة ، وكل ليلة
دخلة ، إذا سأله أعطاه ، وإذا سكت أبداه؟
قالوا : اللّهم نعم .
قال : أتعلمون أن رسول الله (صلى الله عليه
وآله) فضلّه على جعفر وحمزة ، حين قال
لفاطمة (عليها السلام) : زوجتك خير أهل بيتي ،
أقدمهم سلماً ، وأعظمهم حلماً ، وأكثرهم علما؟
قالوا : اللّهم نعم .
قال : أتعلمون أن رسول الله (صلى الله عليه
وآله) قال : أنا سيد ولد آدم ، وأخي علي سيد
العرب ، وفاطمة سيدة نساء أهل الجنة ، وإبناي
الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة؟ قالوا :
اللّهم نعم .
قال : أتعلمون أن رسول الله (صلى الله عليه
وآله) أمره بغسله ، وأخبره أن جبرئيل يعينه
عليه؟ قالوا : اللّهم نعم .
قال : أتعلمون أن رسول الله (صلى الله عليه
وآله) قال في آخر خطبة خطبها : إني تركت فيكم
الثقلين ، كتاب الله وأهل بيتي ، فتمسكوا
بهما لن تضلوا؟ قالوا : اللّهم نعم .
فلم يدع شيئاً أنزله الله في علي بن أبي
طالب (عليه السلام) خاصة ، وفي أهل بيته ، من
القرآن وعلى لسان نبيه (صلى الله عليه وآله)
إلاّ ناشدهم فيه ، فيقول الصحابة : اللّهم
نعم ، قد سمعنا . ويقول التابعي : اللّهم قد
حدثنيه من أثق به فلان وفلان .
ثم ناشدهم : أنهم قد سمعوه (صلى الله عليه
وآله) يقول : من زعم أنّه يحبني ويبغض علياً
فقد كذب ، ليس يحبني وهو يبغض علياً ، فقال
له قائل : يا رسول الله وكيف ذلك؟ قال :
لأنه مني وأنا منه ، من أحبه فقد أحبني ،
ومَن أحبني فقد أحب الله ، ومَن أبغضه فقد
أبغضني ، ومن أبغضني فقد أبغض الله .
فقالوا : اللّهم نعم ، قد سمعنا . وتفرقوا
على ذلك »() .
11 ـ بين يزيد بن معاوية وواليه على المدينة
فلما امتنع الحسين عن مبايعة يزيد بن
معاوية ، كتب واليه على المدينة ، الوليد بن
عتبة ، كتاباً جاء فيه : « بسم الله الرحمن
الرحيم ، إلى عبدالله يزيد أميرالمؤمنين ، من
الوليد بن عتبة بن أبي سفيان . أما بعد :
فإنّ الحسين بن علي ليس يرى لك خلافةً ولا
بيعة ، فما رأيك في أمره ، والسلام » .
فلمّا وصل الكتاب الى يزيد بن معاوية ، أرسل
إليه جوابه : « أما بعد : فإذا أتاك كتابي
هذا ، فعجّل عليّ بجوابه ، وبيّن لي في
كتابك كلّ مَن في طاعتي ، أو خرج عنها ،
ولكن مع الجواب رأس الحسين بن علي ،
والسلام »() .
الإمام الحسين
يعلن معارضته
للحكـم الأمـوي
12 ـ إعلان الحسين لثورته
وهو أوّل بيان للحسين (عليه السلام) للثورة على
يزيد بن معاوية ، وذلك عندما طلب منه والي
يزيد على المدينة الوليد بن عتبة بن أبي
سفيان مبايعة يزيد بالخلافة ، بعد هلاك
معاوية ، فقال له الحسين (عليه السلام) :
« أيها الأمير! إنّا أهل بيت النبوة ، ومعدن
الرسالة ، ومختلف الملائكة ، بنا فتح الله
وبنا ختم ، ويزيد رجل فاسق ، شارب للخمر ،
قاتل النفس المحترمة ، معلن للفسق ، ومثلي لا
يبايع مثله ، ولكن نصبح وتصبحون ، وننظر
وتنظرون ، أيّنا أحقّ بالخلافة والبيعة »() .
13 ـ بين مروان ووالي يزيد
لما أبى الحسين (عليه السلام) مبايعة يزيد ،
قال مروان للوليد احبس حسيناً ، ولا يخرج من
عندك حتى يبايع أو تضرب عنقه . فوثب
الحسين (عليه السلام) قائلا : « يابن الزرقاء ،
أنت تقتلني أم هو؟! كذبت والله وأثمت » ، ثم
خرج (عليه السلام) . فقال مروان للوليد :
« عصيتني ، لا والله لا يمكنك من مثلها من
نفسه أبداً » .
فقال الوليد : « وبخ غيري يا مروان ، إنك
اخترت لي التي فيها هلاك ديني ، والله ما أحب أن
لي ما طلعت عليه الشمس وغربت عنه ، من مال
الدنيا وملكها ، وإني قتلت حسيناً ، سبحان
الله! أقتل حسيناً أن قال لا أبايع! والله إني
لا أظنّ امرءاً يحاسب بدم حسين ; لخفيف
الميزان عند الله يوم القيامة ، ولا ينظر الله
إليه ، ولا يزكيه ، وله عذابٌ أليم »() .
14 ـ مروان بن الحكم والحسين (عليه السلام)
ولمّا كان اليوم الثاني ، واجه مروان
الحسين (عليه السلام) في الطريق ، وقال لأبي
عبدالله : إني لك ناصح فأطعني ترشد وتسدد .
فقال الحسين (عليه السلام) : « وما ذاك ، قل
حتى أسمع » . فقال مروان : أرشدك لبيعة يزيد
بن معاوية ، فإنّها خير لك في دينك وفي
دنياك . قال : فاسترجع الحسين (عليه السلام)
وقال : « إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، وعلى
الاسلام السلام ، إذا بليت الأمة براع مثل
يزيد ، ثم قال : يا مروان! أترشدني لبيعة
يزيد ، ويزيد رجل فاسق؟ لقد قلت شططاً من
القول وزللا ، ولا ألومك ، فإنك اللعين الذي
لعنك رسول الله ، وأنت في صلب أبيك الحكم بن
العاص ، ومَن لعنه رسول الله ، فلا ينكر منه أن
يدعو لبيعة يزيد ، إليك عنّي يا عدوّ الله ،
فإنّا أهل بيت رسول الله ، الحق فينا ينطق على
ألستنا ، وقد سمعت جدّي رسول الله (صلى الله
عليه وآله) يقول : الخلافة محرّمة على آل أبي
سفيان الطلقاء ، وأبناء الطلقاء » . وقال :
« فإذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا
بطنه » . قال (عليه السلام) : ولقد رآه أهل
المدينة على منبر رسول الله ، فلم يفعلوا به
ما أُمروا ، فابتلاهم بابنه يزيد »() الحديث .
15 ـ الإمام الحسين (عليه السلام) يودع قبر
جدّه رسول الله
قبل أن يهمّ بالخروج من المدينة ، ذهب الإمام
الحسين (عليه السلام) لوداع قبر جدّه رسول
الله (صلى الله عليه وآله) ، فانحنى على القبر
باكياً ، فأخذته خفقة نوم ، وإذا بجدّه رسول
الله (صلى الله عليه وآله) يأتيه في عالم
الرؤيا ، قائلا له : « حبيبي يا حسين! كأني
أراك عن قريب مرملاً بدمائك ، مذبوحاً بأرض
كرب و بلاء ، من عصابة من أمتي ، وأنت مع
ذلك عطشان لا تُسقى ، وظمآن لا تُروى ، وهم
مع ذلك يرجون شفاعتي ، لا أنالهم الله شفاعتي
يوم القيامة . حبيبي يا حسين! إنّ أباك وأمك
وأخاك قدموا عليّ ، وهم مشتاقون إليك ، وإنّ
لك في الجنان لدرجات ، لن تنالها إلاّ
بالشهادة » .
فأجابه الحسين في عالم الرؤيا أيضاً قائلا :
« يا جدّاه! لا حاجة لي في الرجوع إلى
الدنيا ، فخذني إليك ، وأدخلني معك في قبرك »
فقال له رسول الله : « لابد لك من الرجوع إلى
الدنيا ; حتى تُرزق الشهادة ، وما قد كتب
الله لك فيها من الثواب العظيم ، فإنك وأباك
وأخاك وعمك وعم أبيك ، تحشرون يوم القيامة في
زمرة واحدة حتى تدخلوا الجنة »() .
16 ـ خروج الحسين (عليه السلام) من المدينة
الى مكة
وكان خروجه (عليه السلام) من المدينة ليلة
الأحد ، ليومين بقيا من رجب سنة 60ه…() .
فإنّه (عليه السلام) جاء إلى قبر جدّه رسول
الله (صلى الله عليه وآله) فصلّى ركعات ، وقال :
« اللّهم هذا قبر نبيك محمّد (صلى الله عليه
وآله) ، وأنا ابن بنت نبيك ، وقد حضرني من
الأمر ما قد علمت . اللّهم إنّي أحبّ المعروف
وأنكر المنكر ، وأنا أسألك يا ذا الجلال
والإكرام بحق القبر ومن فيه ، إلاّ ما
اخترت لي ما هو لك رضا ، ولرسولك رضا » .
وفي حديث عمّار ، أنّه قال : « بأبي أنت
وأمي يا رسول الله ، لقد خرجتُ من جوارك
كرهاً ، وفُرق بيني وبينك ، وأُخذت قهراً أن
أبايع يزيد ، شارب الخمور ، وراكب الفجور ،
وإن فعلت كفرت ، وإن أبيت قُتلت . فها أنا خارج
من جوارك كرهاً ، فعليك مني السلام يا رسول
الله »() .
17 ـ وصية الحسين (عليه السلام)
وكتب (عليه السلام) وصية إلى أخيه محمّد بن
الحنفية :
« بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ، هذا ما
أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب ، إلى
أخيه محمّد المعروف بابن الحنفية : أنّ الحسين
يشهد أن لا إله إلاّ الله ، وحده لا شريك
له ، وأن محمداً عبده ورسوله ، جاء بالحق من
عند الحق ، وأن الجنة والنار حق ، وَأَنَّ
السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها ، وَأَنَّ
اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ، وإني لم
أخرج أشراً ، ولا بطراً ، ولا مفسداً ، ولا
ظالماً ، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة
جدّي (صلى الله عليه وآله) . أريد أن آمر
بالمعروف ، وأنهى عن المنكر ، وأسير بسيرة
جدّي وأبي علي بن أبي طالب ، فمَن قبلني
بقبول الحق ، فالله أولى بالحق ، ومَن ردّ
عليّ هذا ، أصبر حتى يقضي الله بيني وبين
القوم بالحق ، وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ،
وهذه وصيتي يا أخي إليك وَما تَوْفِيقِي إِلاّ
بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ
أُنِيبُ »() . وختمها بخاتمه الشريف .
18 ـ كتاب الحسين (عليه السلام) إلى بني هاشم
ولمّا سار الحسين (عليه السلام) بإخوته ، وبني
أخيه ، وجلّ أهل بيته إلى مكة ، وجّه كتاباً
إلى بني هاشم ، هذا نصه : « بسم الله الرحمن
الرحيم ، من الحسين بن علي بن أبي طالب ،
إلى بني هاشم . أما بعد : فإنّه من لحق بي
منكم استشهد ، ومن تخلف لم يبلغ مبلغ الفتح
والسلام »() .
19 ـ دخول الحسين (عليه السلام) إلى مكة
لمّا خرج الإمام (عليه السلام) من المدينة سلك
الطريق الأعظم ، فقيل له :
لو تنكبت عن الطريق الأعظم ، كما فعل ابن
الزبير ، فقال :
« لا والله لا أفارقه حتى يقضي الله ما هو
قاض » ثم تلى قوله
تعالى : ( فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ
قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ
الظّالِمِينَ )() .
ودخل مكة وهو يتلو : ( وَلَمّا تَوَجَّهَ
تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ
يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ )() .
فوصل إليها ليلة الجمعة لثلاث مضين من
شعبان ، وأقام (عليه السلام)
باقي شعبان وشهر رمضان وشوال وذي القعدة ،
وثمان ليالي من
ذي الحجة() .
20 ـ الحسين مع عبدالله بن عباس
ثم إنّ الإمام الحسين (عليه السلام) اجتمع في
مكة المكرمة مع عبدالله بن عباس ، حينما طلب
منه عدم الخروج ، فقال له الحسين (عليه
السلام) : « هل أنا أبايع يزيد وادخل في
صلحه ، وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله) فيه
وفي أبيه ما قال »؟!
فقال ابن عباس : صدقت أبا عبد الله! قال
النبي (صلى الله عليه وآله) في حياته : « ما لي
وليزيد ، لا بارك الله في يزيد! وإنه يقتل
ولدي وولد ابنتي الحسين . والذي نفسي بيده ،
لا يقتل ولدي بين ظهراني قوم فلا يمنعونه ،
إلاّ خالف الله بين قلوبهم وألسنتهم »!
وبكى ابن عباس والحسين ، والتفت إليه قائلا :
« يابن عباس! أتعلم أني ابن بنت رسول الله (صلى
الله عليه وآله) »؟
فقال ابن عباس : « اللّهم نعم ، نعلم ما في
الدنيا أحد هو ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه
وآله) غيرك ، وأن نصرك لفرض على هذه الأمة ،
كفريضة الصلاة والزكاة ، التي لا تقبل احداهما
دون الاخرى » .
فقال الحسين (عليه السلام) : « يابن عباس! ما
تقول في قوم أخرجوا ابن بنت رسول الله (صلى
الله عليه وآله) من داره ، وقراره ، ومولده ،
وحرم رسوله ، ومجاورة قبره ، ومسجده ، وموضع
مهاجره ، فتركوه خائفاً مرعوباً ، لا يستقر
في قرار ، ولا يأوي في موطن ، يريدون في ذلك
قتله ، وسفك دمه ، وهو لم يشرك بالله
شيئاً ، ولا اتخذ من دونه ولياً ، ولم يغيّر
عما كان عليه رسول الله »؟!
فأجابه ابن عباس مصدقاً قوله وكلامه بقوله :
« ما أقول فيهم؟! إلاّ أنهم كفروا بالله
ورسوله ، ولا يأتون الصلاة إلاّ وهم كسالى ،
يراءون الناس ، ولا يذكرون الله إلاّ قليلاً ،
مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، ومن
يضلل الله فلن تجد له سبيلاً ، وعلى مثل
هؤلاء تنزل البطشة الكبرى . وأمّا أنت يابن
بنت رسول الله! فإنك رأس الفخار برسول الله ،
فلا تظن يابن بنت رسول الله أن الله غافل
عمّا يعمل الظالمون . وأنا أشهد أن من رغب عن
مجاورتك ، وطمع في محاربتك ، ومحاربة نبيك
محمّد ، فما له من خلاق » .
ثم إن عبدالله بن عباس أبدى استعداده لمناصرة
الحسين (عليه السلام) قائلا : « جعلت فداك يابن
بنت رسول الله! كأنك تريدني إلى نفسك ، وتريد
مني أن أنصرك! والله الذي لا إله إلاّ هو ،
إن لو ضربت بين يديك بسيفي هذا بيدي حتى
انخلعا جميعاً من كفي ، لما كنت ممّن اوفى من
حقك عشر العشر ، وها أنا بين يديك مرني
بأمرك » .
وصية الحسين (عليه السلام) لابن عباس
وأقبل الحسين (عليه السلام) على ابن عباس ،
فعهد إليه بهذه الوصية قائلا : « وأنت يابن
عباس ابن عم أبي ، لم تزل تأمر بالخير منذ
عرفتك ، وكنت مع أبي تشير عليه بما فيه
الرشاد والسداد ، وقد كان أبي يستصحبك ويستنصحك
ويستشيرك ، وتشير عليه بالصواب ، فامض إلى
المدينة في حفظ الله ، ولا تخفِ عليّ شيئاً
من أخبارك ، فإني مستوطن هذا الحرم ومقيم
به ، ما رأيت أهله يحبوني وينصروني ، فإذا
هم خذلوني ، استبدلت بهم غيرهم ، واستعصمت
بالكلمة التي قالها ابراهيم يوم ألقي في
النار : ( حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ
الْوَكِيلُ ) ، فكانت النار عليه برداً
وسلاماً »() .
21 ـ كتب ورسل أهل الكوفة إلى الحسين (عليه
السلام)
ولمّا وصل إلى أهل الكوفة نبأ هلاك معاوية ،
ومعارضة الإمام الحسين (عليه السلام) لحكم
يزيد ، ومجيئه إلى مكة . اجتمع نفر منهم في
دار سليمان بن صرد الخزاعي() ، ولمّا استقر
بهم المجلس ، قام سليمان فيهم خطيباً ، وقال
في آخر خطبته :
« يا معشر الشيعة! إنكم قد علمتم بأن معاوية
قد هلك ، وصار إلى ربه ، وقدم على عمله ،
وقد قعد في موضعه ابنه يزيد . وهذا الحسين بن
علي عليهما السلام قد خالفه ، وصار إلى مكة
هارباً من طواغيت آل أبي سفيان ، وأنتم شيعته
وشيعة أبيه من قبله ، وقد احتاج الى نصرتكم
اليوم ، فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه و
مجاهدو عدوه ، فاكتبوا إليه ، وإن خفتم الوهن
والفشل فلا تغروا الرجل من نفسه »() .
قال المجتمعون : بل نقاتل عدوه ، ونقتل
أنفسنا دونه . ثم أرسلوا وفداً منهم : أبو
عبدالله الجدلي ، يحمل كتاباً الى الحسين (عليه
السلام) وهذا نصّه :
« بسم الله الرحمن الرحيم ، للحسين بن علي
عليهما السلام ، من سليمان بن صرد والمسيب بن
نجية ورفاعة بن شداد البجلي وحبيب ابن مظاهر
وشيعته من المؤمنين المسلمين ، سلام عليك .
أمّا بعد : فالحمد لله الذي قصم عدوك وعدو
أبيك ، من قِبل الجبار ، العنيد الغشوم
الظلوم ، الذي انتزى على هذه الأمة فابتزها
أمرها وغصبها فيئها ، وتأمر عليها بغير رضا
منها ، ثم قتل خيارها ، واستبقى شرارها ،
وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وعتاتها ،
فبعداً له كما بعدت ثمود .
وإنه ليس علينا إمام غيرك ، فأقبِل لعل الله
أن يجمعنا بك على الهدى والحق . والنعمان بن
بشير في قصر الإمارة ، ولسنا نجتمع معه في
جمعة ، ولا نخرج معه إلى عيد ، ولو قد
بلغنا أنك قد أقبلت أخرجناه ، حتى نلحقه بالشام إن
شاء الله تعالى ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته
يابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلى أبيك
من قبلك ، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي
العظيم »() . فوصل الكتاب إلى الحسين (عليه
السلام) لعشر من شهر رمضان وهو في مكة .
ثم بعثوا إليه كتباً اخرى بيد هاني بن هاني
السبيعي ، وسعيد بن عبدالله الحنفي ، وهذا
نصّها : « بسم الله الرحمن الرحيم . للحسين
بن علي عليهما السلام ، من شيعته من المؤمنين
والمسلمين . أما بعد : فحيهلا ، فإن الناس
ينتظرونك لا رأي لهم غيرك ، فالعجل العجل
والسلام »() .
ثم أرسل معهما شبث بن ربعي ، وحجار بن
أبجر ، ويزيد بن الحارث ، ويزيد بن رويم ،
وعروة بن قيس ، وعمرو بن الحجاج الزبيدي ،
ومحمّد بن عمير التميمي ، كتاباً أيضاً الى
الحسين وهذا نصّه :
« أمّا بعد : فقد أخضر الجناب ، وأينعت
الثمار ، وطمث الجمام . فإذا شئت فأقدم على
جند لك مجندة . والسلام عليك ورحمة الله و
بركاته و على أبيك من قبل »() .
ثم توالت الكتب والرسائل على الحسين (عليه
السلام) ، حتى بلغت اثنا عشر ألف كتاب .
22 ـ جواب الإمام الحسين (عليه السلام) إلى
أهل الكوفة
والإمام (عليه السلام) لم يجب على تلكم الرسائل
والكتب ، التي وصلته ، إلاّ بعد أن صلى
ركعتين بين الركن والمقام ، وسأل الله الخيرة
في ذلك ، ثم كتب كتاباً إلى أهل الكوفة ،
وهو جواب على كتبهم ، وأرسله مع هاني بن
عروة وسعيد بن عبدالله ، وهذا نصّه :
« بسم الله الرحمن الرحيم ، من الحسين بن علي
إلى الملأ من المؤمنين و المسلمين!
أما بعد : فإن هانئاً وسعيداً قدما عليّ
بكتبكم ، وكانا آخر من قدِم علي من رسلكم ،
وقد فهمت كل الذي اقتصصتم وذكرتم ، ومقالة
جلكم : أنه ليس علينا إمام ، فأقبل لعل الله
أن يجمعنا بك على الحق والهدى .
وأنا باعث إليكم أخي ، وابن عمي ، وثقتي من
أهل بيتي ، مسلم ابن عقيل ، وأمرته أن يكتب
إليّ بحالكم وأمركم ورأيكم ، فإن كتب إليّ
بأنه قد اجمع رأي ملئكم ، وذوي الفضل والحجى
منكم ، على مثل ما قدمت عليّ به رسلكم ،
وقرأت في كتبكم ، فإني أقدم إليكم وشيكاً إن
شاء الله ، فلعمري ما الإمام إلاّ الحاكم
بالكتاب ، القائم بالقسط ، الدائن بدين
الحق ، الحابس نفسه على ذلك لله ،
والسلام »() .
وقيل : ثم نادى مسلم بن عقيل رضوان الله
عليه وأمره بالتقوى وكتمان أمره واللطف ، فإن
رأى الناس مجتمعين مستوسقين عجّل إليه() .
23 ـ كتاب مسلم إلى الحسين (عليه السلام)
ولمّا وصل مسلم (عليه السلام) الكوفة ، نزل
دار المختار بن أبى عبيدة الثقفي ، وأقبل
الناس يختلفون إليه بالبيعة للحسين (عليه
السلام) ، جماعة جماعة ، وهو يقرأ عليهم كتاب
الحسين فيبكون ، ثم قام عابس بن أبى شبيب
الشاكري رضوان الله عليه ، فحمد الله وأثنى
عليه ، ثم قال : « أما بعد : فإني لا أخبرك
عن الناس ، ولا أعلم ما في أنفسهم ، وما
أغرك منهم ، والله أحدثك عمّا أنا موطن نفسي
عليه ، والله لأجيبنكم إذا دعوتم ، ولأقاتلن
معكم عدوكم ، ولأضربن بسيفي دونكم ، حتى ألقى
الله ، لا أريد بذلك إلاّ ما عند الله » .
ثم قام حبيب بن مظاهر رحمة الله عليه
وقال : « رحمك الله ، قد قضيت ما في نفسك
بواجز من قولك » ثم قال : « وأنا والله الذي
لا إله إلاّ هو على مثل ما هذا عليه » .
ثم تكلم الحاضرون بمثل ذلك .
ولما رأى مسلم إقبال الناس عليه ومبايعتهم
للحسين (عليه السلام) ، كتب كتاباً للحسين (عليه
السلام) يقول فيه : « أما بعد : فإن الرائد
لا يكذب أهله ، وإن جميع أهل الكوفة معك ،
وقد بايعني منهم ثمانية عشر ألفاً ، فعجّل
الإقبال حين تقرأ كتابي هذا ، والسلام عليك
ورحمة الله وبركاته »() ، وبعثه مع قيس بن
مسهر الصيداوي .
24 ـ كتاب الحسين (عليه السلام) إلى رؤوساء
الأخماس والأشراف بالبصرة
ثم إنّ الحسين (عليه السلام) وجه كتاباً آخر
إلى رؤوساء البصرة وزعمائها ، وأرسله مع مولى
له ( سليمان ) يكنى أبا رزين ، أو مع ذراع
السدوسي إلى كل من : مالك بن مسمع البكري ،
والأحنف بن قيس ، والمنذر بن الجارود العبدي ،
وقيس بن الهيثم ، ويزيد بن مسعود النهشلي
وغيرهم ، جاء فيه :
« أما بعد : فإنّ الله اصطفى محمّداً (صلى الله
عليه وآله) على خلقه ، وأكرمه بنبوته ، واختاره
لرسالته ، ثم قبضه الله إليه ، وقد نصح
لعباده ، وبلغ ما أرسل به صلّى الله عليه
وآله وكنّا أهله وأولياءه وأوصياءه وورثته ،
وأحق الناس بمقامه في الناس ، فاستأثر علينا
قومنا بذلك ، فرضينا وكرهنا الفرقة ، وأحببنا
العافية ، ونحن نعلم أنّا أحق بذلك الحق ،
المستحق علينا ممّن تولاّه ، وقد بعثت رسولي
إليكم بهذا الكتاب ، وأنا أدعوكم إلى كتاب
الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) ، فإنّ
السنة قد أُميتت ، وإنّ البدعة قد أُحييت ،
وأن تسمعوا قولي ، وتطيعوا أمري ، أهدكم سبيل
الرشاد ، والسلام عليكم ورحمة الله »() .
25 ـ جواب أهل البصرة للحسين (عليه السلام)
ولمّا وصل الكتاب إلى يزيد بن مسعود
النهشلي ، جمع قبائل بني تميم وبني حنظلة وبني
سعد ، وقال لهم : كيف ترون موضعي فيكم وحسبي
منكم؟ فقالوا : بخ بخ ، أنت والله فقرة
الظهر ورأس الفخر ، حللت في الشرف وسطا وتقدمت
فيه فرطا . قال : فإني قد جمعتكم لأمر أريد
أن أشاوركم فيه ، وأستعين بكم عليه .
فقالوا : إنّا والله نمنحك النصيحة ، ونجهد لك
الرأي ، فقل حتى نسمع .
فقال رضوان الله عليه : « إنّ معاوية مات ،
فأهون به والله هالكاً ومفقوداً ، ألا وإنه قد
انكسر باب الجور والإثم ، وتضعضعت أركان
الظلم ، وكان قد أحدث بيعة ، عقد بها أمراً
ظن أنّه قد أحكمه ، وهيهات الذي أراد ، إجتهد
والله ففشل ، وشاور فخذل .
وقد قام إبنه يزيد شارب الخمور ، ورأس
الفجور ، يدعي الخلافة على المسلمين ، ويتآمر
عليهم بغير رضا منهم ، مع قصر حلم وقلة
علم ، لا يعرف من الحق موطئ قدميه ، فاقسم
بالله قسماً مبروراً ، لجهاده على الدين أفضل
من جهاد المشركين .
وهذا الحسين ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله)
ذو الشرف الأصيل ، والرأي الأثيل ، له فضل لا
يوصف ، وعلم لا ينزف ، وهو أولى بهذا الأمر
لسابقته ، وسنه ، وقدمه ، وقرابته . يعطف
على الصغير ويحنوا على الكبير ، فأكرم به راعي
رعية ، وإمام قوم ، وجبت لله به الحجة ،
وبلغت به الموعظة .
فلا تعشوا عن نور الحق ، ولا تسكعوا في وهد
الباطل ، فقد كان صخر بن قيس إنخذل بكم يوم
الجمل ، فاغسلوها بخروجكم الى ابن رسول
الله (صلى الله عليه وآله) ونصرته .
والله لا يقصر أحد عن نصرته ، إلاّ أورثه
الله تعالى الذل في ولده ، والقلة في
عشيرته . وها أنا ذا قد لبست للحرب لامتها ،
وأدّرعت لها بدرعها ، من لم يقتل يمت ، ومن
يهرب لم يفت ، فأحسنوا رحمكم الله رد
الجواب »() .
فأجابته بنو حنظلة بقولها : « يا أبا خالد!
نحن نبل كنانتك ، وفرسان عشيرتك ، إن رميت بنا
أصبت ، وإن غزوت بنا فتحت ، لا تخوض والله
غمرة إلاّ خضناها ، ولا تلقى والله شدة إلاّ
لقيناها ، ننصرك والله بأسيافنا ، ونقيك
بأبداننا إذا شئت » .
ثم تكلم بنو سعد بن يزيد ، فقالوا : « يا
أبا خالد! إنّ أبغض الأشياء إلينا خلافك
والخروج من رأيك ، وقد كان صخر بن قيس أمرنا
بترك القتال ، فحمدنا رأيه ، وبقي عزنا
فينا ، فأمهلنا نراجع الرأي ونحسن المشهورة » .
فقال يزيد بن مسعود : « والله يا بني سعد! لئن
فعلتموها ، لا رفع الله السيف عنكم أبداً ،
ولا زال سيفكم فيكم .
ثم قالت بنو عامر بن تميم : يا أبا خالد!
نحن بنو أبيك وحلفاؤك ، لا نرضى إن غضبت ،
ولا نقطن إن ظعنت ، والأمر إليك ، فادعنا
نجبك ، وأمرنا نطعك ، والأمر لك إذا شئت » .
26 ـ جواب ابن مسعود إلى الحسين (عليه السلام)
ثم إنّ يزيد بن مسعود رضوان الله عليه
كتب جواباً على رسالة الحسين (عليه السلام) جاء
فيه : « بسم الله الرحمن الرحيم ، أمّا
بعد : فقد وصل كتابك ، وفهمت ما ندبتنى إليه
ودعوتني له ، من الأخذ بحظي من طاعتك ،
والفوز بنصيبي من نصرتك ، وإنّ الله لم يخل
الأرض قط من عامل عليها بخير ، أو دليل على
سبيل نجاة ، وأنتم حجة الله على خلقه ،
ووديعته في أرضه ، تفرّعتم من زيتونة
أحمدية ، هو أصلها وأنتم فرعها . فاقدم سُعدتَ
بأسعد طائر ، فقد ذللتُ لك أعناقَ بني
تميم ، وتركتهم أشد تتابعاً في طاعتك من الإبل
الظماء ; لورود الماء يوم خمسها ، وقد ذللت
لك رقاب بني سعد ، وغسلت درن صدورها ، بماء
سحابة مزن حين استهل برقها ، والسلام »() .
ووصل كتابه هذا الى الحسين (عليه السلام) في
اليوم العاشر من محرم ، كما هو المعروف ،
فقال (عليه السلام) : « ما لك آمنك الله يوم
الخوف ، وأعزك وأرواك يوم العطش الأكبر » .
ثم إنّه أراد الخروج لنصرة الحسين (عليه
السلام) ، وإذا بالخبر يفاجئه بقتله ، فجزع
ومات من وقته ، رضوان الله عليه .
وأما بقية الزعماء ، فإنّ بعضهم أجاب
الإمام (عليه السلام) جواباً بارداً لا خير
فيه . وأمّا المنذر بن الجارود ، فإنّه سلّم
الكتاب والرسول إلى عبيدالله بن زياد ، فصلب
الرسول ، وهو أوّل رسول يقتل في الإسلام() .
الحزب الأموي
وموقفـه
مـن الثـورة
الحزب الأموي وموقفه من الثورة
لما وصلت أنباء اعلان الإمام الحسين ثورته على
الحكم الأموي ، إلى كوادر الحزب الأموي ، كانت
ردود الفعل مختلفة ، بحسب وجهات نظر أعضاء
الكوادر الحزبية الأموية ، وهي في اتجاهين :
الاتجاه الأوّل :
وهو الذي يمثل جانب اللين والفتور ; لأنّ بعض
الكوادر الحزبية الأموية ، كانت تمثل الجانب
المعتدل في الحزب ; لأنّها تعلم ـ في قرارة
نفسها ـ أنّ يزيد لا يستحق الخلافة وغير جدير
بها ، ولذا نراها غير متحمسة لحكمه ، من
أمثال النعمان بن بشير واليه على الكوفة ،
فإنّه ـ بعد أن سمع بثورة الإمام الحسين ـ
قام خطيباً ، وخطب خطبة لم ترضِ الحزب
الأموي ، فقام إليه أحد كوادر الحزب الأموي
قائلا :
« إنّه لا يصلح ما ترى إلاّ الغشم ، إنّ هذا
الذي أنت عليه ، فيما بينك وبين عدوك رأي
المستضعفين » .
فأجابه النعمان قائلا : « أن أكون من
المستضعفين في طاعة الله ، أحب إليّ من أن
أكون من الأعزين في معصية الله »() .
الاتجاه الثاني :
وهو الاتجاه المتطرف المتعصب ، الذي يسير وراء
مصالح الأمويين ، وليس لديه أي واقعية أو
الإحساس بها ، فنرى رد فعله عنيفاً جداً ;
لأنّه اتخذ موقفاً صارماً ضد الثورة ، ولهذا
نرى هذا الكادر الأموي سارع بالكتابة إلى يزيد
بن معاوية ، عندما دخل الكوفة رسول الثورة
الحسينية مسلم بن عقيل ، وأقبل الناس عليه
لمبايعة الحسين ، ويتزعم هذا الكادر الحزبي
الأموي رجل اسمه عبدالله بن مسلم بن سعيد
الحضرمي .
27 ـ خطبة النعمان والي يزيد على الكوفة
بلغ ذلك النعمان بن بشير والي يزيد على
الكوفة ، فجاء إلى المسجد ، وصعد المنبر ،
فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : « أما بعد :
فاتقوا الله عباد الله ، ولا تسارعوا إلى
الفتنة والفرقة ، فإن فيهما يهلك رجال ،
وتسفك الدماء ، وتغصب الأموال . إني لم اقاتل
من لم يقاتلني ، ولا أثب على من لا يثب
عليّ ، ولا اشاتمكم ، ولا أتحرش بكم ، ولا
آخذ بالقرف ولا الظنة ولا التهمة ، ولكنكم إن
أبديتم صفحتكم لي ، ونكثتم بيعتكم ، وخالفتم
إمامكم ، فوالله الذي لا إله غيره ، لأضربنكم
بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ، ولو لم يكن لي
منكم ناصر ، أما إني أرجو أن يكون من يعرف
الحق منكم ، أكثر ممّن يرديه الباطل »() .
فقام إليه أحد أعوان الحزب الأموي ، واسمه
عبدالله بن مسلم بن سعيد الحضرمي ، وقال :
« إنّه لا يصلح ما ترى إلاّ الغشم ، إنّ هذا
الذي أنت عليه ، فيما بينك وبين عدوك رأي
المستضعفين » .
فأجابه النعمان قائلا : « أن أكون من
المستضعفين في طاعة الله ، أحب إليّ من أن
أكون من الأعزين في معصية الله » .
28 ـ رجال الحزب الأموي وخطورة الموقف
فكتب عبدالله بن مسلم الحضرمي كتاباً إلى يزيد
بن معاوية جاء فيه : « أما بعد : فإنّ مسلم
بن عقيل قد قدم الكوفة ، فبايعته الشيعة
للحسين ابن علي ، فإن كان لك بالكوفة حاجة ،
فابعث إليها رجلا قوياً ينفذ أمرك ، ويعمل مثل
عملك في عدوك ، فإن النعمان بن بشير رجل
ضعيف ، أو هو يتضعف » .
ثم كتب آخرون إلى يزيد بن معاوية ، كتباً
اخرى بهذا المضمون ، مثل : عمارة بن عقبة ،
وعمر بن سعد وغيرهم ، من أنصار الحزب
الأموي() .
29 ـ يزيد يعزل النعمان وينصب عبيدالله
وعندما وصلت الكتب إلى يزيد بن معاوية وقرأها
وفهم محتواها ، دعا سرجون مولى معاوية وأقرأه
الكتب ، وقال : هذا الحسين قد توجه إلى
الكوفة ، وهذا مسلم بن عقيل يبايع للحسين ،
وقد بلغني عن النعمان ضعف وقول سيء ، فما ترى؟
فقال له سرجون : أرأيت لو نشر معاوية لك ،
أكنت آخذاً برأيه؟ قال : نعم . فأخرج عهد
عبيدالله على الكوفة ، فإنّه رأي أبيك ، فأخذ
يزيد بهذا الرأي ، وكان عبيدالله والياً على
البصرة فضم إليه الكوفة ، وبعث إليه بعهده على
الكوفة ، مع مسلم بن عمرو الباهلي ، وكتب
إليه كتاباً :
« أمّا بعد : فإنّه كتب إليّ شيعتي من أهل
الكوفة ، يخبرونني أنّ ابن عقيل بالكوفة ،
يجمع الجمع لشق عصا المسلمين ، فسر حين تقرأ
كتابي هذا ، حتى تأتي أهل الكوفة ، فتطلب ابن
عقيل كطلب الخرزة حتى تثقفه ، فتوثقه ، أو
تقتله ، أو تفنيه والسلام »() .
فأقبل مسلم بن عمرو الباهلي بالعهد والكتاب
إلى عبيدالله بن زياد بالبصرة ، فلمّا قرأ
عبيدالله الكتاب ، أمر بالجهاز والتهيء والمسير
إلى الكوفة من الغد() .
ولمّا كان الغداة ، استخلف أخاه عثمان بن
زياد على البصرة ، بعد أن خطبهم بالوعد
والوعيد . وأقبل إلى الكوفة مسرعاً ، لا يلوي
على شيء ، حتى دخلها ومعه بضعة عشر رجلا ،
متنكراً بزي أهل الحجاز ، فظن الناس أنه
الحسين (عليه السلام) ; لأنّهم ينتظرون قدومه .
فأخذ لا يمر على أحد من الناس إلاّ وسلموا
عليه ، وقالوا مرحباً بك يابن رسول الله ،
قدمت خير مقدم ، وهو لا يكلمهم ، حتى جاء
القصر ، فسمع النعمان بن بشير فأغلق باب
القصر عليه ، ولمّا أنتهى إلى القصر ، أطل
النعمان بن بشير من بين شرفتي القصر قائلا :
« انشدك الله إلاّ تنحيت عني ، ما أنا بمسلم
لك أمانتي ، ومالي في قتلك من إرب » ظاناً
أنّه الحسين (عليه السلام) ، فأزال عبيدالله
اللثام عن وجهه ، وقال : « افتح ، لا فتحت ،
فقد طال ليلك ، وشيدت قصرك ، وضيعت مصرك »() .
عندها عرف النعمان والناس أنّه عبيدالله بن
زياد ، ففتح النعمان باب القصر ودخل ، ثم
نودي الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس ، فخرج
إليهم وصعد المنبر .
30 ـ الخطبة الأولى لابن زياد في الكوفة
« فحمد الله وأثنى عليه ، وقال : أما بعد :
فانّ أمير المؤمنين أصلحه الله ولاّني مصركم
وثغركم ، وأمرني بانصاف مظلومكم ، واعطاء
محرومكم ، وبالإحسان إلى سامعكم ومطيعكم ،
وبالشدة على مريبكم وعاصيكم ، وأنا متبع فيكم
أمره ، ومنفذ فيكم عهده ، فأنا لمحسنكم
ومطيعكم كالوالد البر ، وسوطي وسيفي على من
ترك أمري وخالف عهدي ، فليبق امرؤ على نفسه
الصدق ينبي عنك لا الوعيد » .
ثم نزل ، فأخذ العرفاء والناس أخذاً شديداً ،
وقال لهم : « اكتبوا إليّ ، الغرباء ، ومن
فيكم من طلبة أمير المؤمنين ، ومن فيكم من
الحرورية ، وأهل الريب ، الذين رأيهم الخلاف
والشقاق ، فمن كتبهم لنا فبرئ ، ومن لم يكتب
لنا أحداً فيضمن لنا ما في عرافته ، أن لا
يخالفنا منهم مخالف ، ولا يبغي علينا منهم
باغ ، فمن لم يفعل برئت منه الذمة ، وحلال
لنا ماله وسفك دمه ، وأيما عريف وجد في
عرافته من بغية
أمير المؤمنين أحد لم يرفعه إلينا ، طلب على
باب داره ، والغيت تلك العرافة من العطاء ،
وسيّر إلى موضع بعمان الزارة »() .
اعتقال هاني بن عروة
ثم تطور الموقف عندما اعتقل عبيدالله ، هاني
بن عروة ، وطلب منه أن يسلمه مسلم بن عقيل ،
فأبى هاني ، فضربه عبيدالله بالسياط على
وجهه ، فسال الدم على لحيته ، فتناول سيفاً
بيد أحد أعوان عبيدالله ، فأراد أن ينتزعه فلم
يستطع ، فعندها أمر عبيدالله به أن يغل ،
ويحبس في غرفة ، ويوضع عليها الحرس . وإذا
بجمع مذحج على باب القصر ; لأنهم سمعوا أنّ
عبيدالله يروم قتله ، فجاءوا لاستنقاذه . فأمر
عبيدالله شريح القاضي بأن يخرج للناس ويعلمهم
بأنّ صاحبهم حي ، فخرج شريح إليهم وقال
لهم : إني قد رأيت صاحبكم حياً ، وإنّ الذي
بلغكم من قتله كان باطلا . فقالوا : إذا لم
يقتل فالحمد لله ، ثم تفرقوا() .
31 ـ الخطبة الثانية لابن زياد
ثم أنّ عبيدالله جمع بعض زعماء القبائل ،
وشرطته وحاشيته فخرج بهم ، وصعد المنبر ، فخطب
خطبة موجزة : « أمّا بعد : أيها الناس!
فاعتصموا بطاعة الله وطاعة أئمتكم ، ولا
تخلفوا ، ولا تفرقوا فتهلكوا ، وتذلوا ،
وتقتلوا ، وتجفوا ، وتحرموا ، إنّ أخاك من
صدقك ، وقد اعذر من أنذر »() .
ثم إنّ الموقف قد تدهور ، وخذل الناس مسلم
بن عقيل ، وذلك بعد أن اشترى عبيدالله ذمم
وضمائر بعض الزعماء ، فأخذوا يخذلون الناس عن
مسلم ، ويمنونهم بالمال ، ويخوفونهم بجنود أهل
الشام .
ثم أشرف على الناس بعض رُؤساء القبائل ،
وتكلم كثير بن شهاب وقال : « أيها الناس
إلحقوا بأهاليكم ، ولا تعجلوا الشر ، ولا
تعرضوا
أنفسكم للقتل ، فإنّ هذه جنود أمير المؤمنين
يزيد قد أقبلت ، وقد أعطى الله الأمير
عهداً ، لئن أتممتم على حربه ولم تنصرفوا من
عشيتكم ، أن يحرم ذريتكم من العطاء ، ويفرق
مقاتلتكم في مغازي أهل الشام على غير طمع ،
وأن يأخذ البريء بالسقيم ، والشاهد بالغائب ،
حتى لا يبقى له فيكم بقية من أهل المعصية ،
إلاّ أذاقها وبال ما جرت أيديها »() .
وتكلم بقية الرؤساء بنحوه ، فأخذ الناس
يتفرقون أفراداً وجماعات ، حتى كانت المرأة
تأتي ابنها أو أخاها فتقول : انصرف الناس
يكفونك ، ويجيء الرجل إلى ابنه أو أخيه
فيقول : غداً يأتيك أهل الشام فما تصنع؟ فخذل
الناس مسلم ، وبقي وحده يسير في الطريق ،
فلا يرى أين يذهب؟ حتى دخل في دار امرأة يقال
لها : طوعة ، فآوته إلى الصباح .
32 ـ الخطبة الثالثة لابن زياد
وكان عبيدالله قد علم بتفرّق الناس عن مسلم ،
فأمر عمرو بن نافع فنادى : ألا برئت الذمة من
رجل من الشرطة والعرفاء ، أو المناكب ، أو
المقاتلة ، صلّى العتمة إلاّ في المسجد ، فما
كانت إلاّ ساعة وأمتلأ المسجد بالناس ، ثم أمر
عبيدالله الحرس أن يحرسونه من جانب ، فدخل
المسجد وصعد المنبر ، وقال : « امّا بعد :
فإن ابن عقيل السفيه الجاهل ، قد أتى ما قد
رأيتم من الخلاف والشقاق ، فبرئت ذمة الله من
رجل وجدناه في داره ، ومن جاء به فله ديته .
اتقوا الله عباد الله ، وألزموا طاعتكم
وبيعتكم ، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلا »() .